لا تزال الذاكرة الإنسانية واحدة من أعقد العمليات العقلية والنفسية، إن لم نقل إنها أعقدها على الإطلاق. يسير تطور العلم النفسى والفسيولوجى فى فهمها ببطء شديد يفوق البطء الذى يسير به تطور فهم العمليات العقلية النفسية الأخرى..
أقول ذلك فى محاولة لتبرير عجزى عن فهم العلاقة بين تطورات الثورة العربية ومواقف الدول الكبرى المؤثرة فيها وبين واقعة قديمة ترجع إلى اكثر من ثلاثين عاما هبطت فجأة على ذاكرتى دون سابق فهم لما بينها وبين الأحداث الراهنة من علاقة.
•••
فى أوائل عام 1981 كنت قد انتقلت إلى الولايات المتحدة واستقر مقامى بها مراسلا صحفيا. وعندما كنت لا أزال فى مرحلة استكشاف المجتمع الأمريكى وقع بينى وبين شاب أمريكى شجار. فى ختام الشجار بدا لى أننى كنت عصبى المزاج أكثر مما ينبغى فآثرت أن أعتذر للرجل الأمريكى وقلت له فيما قلت أرجو أن تعذرنى فما أنا إلا أجنبى حديث العهد بالمجتمع الأمريكى وعاداته وتقاليده. وفاجأنى الأمريكى بأن رد مجاملا: «يا عزيزى كلنا هنا أجانب». ولا أزال أعتبر أن هذا الشجار الذى استقر فى ذاكرتى كبير الدلالة على حقيقة المجتمع الأمريكى.
لقد اكتسبت عبارة الأمريكى فى المصالحة بيننا معانى أكثر عمقا وإن لم تضف إليها الذاكرة شيئا جديدا.
لم أعد أفهم فقط أن المجتمع الأمريكى مكون كله من أجانب، إنما صرت أدرك أن المجتمع الأمريكى مؤلف فى كليته من مستوطنين. وأن كل أمريكى يدرك أنه ينتمى قبل نحو خمسة قرون إلى أسرة جاءت إلى أمريكا لتستوطن هذا البلد، وأن انقضاء هذه القرون لم يغير شيئا من ذاكرة الأمريكى التى تعى جيدا أنه مستوطن وليس مواطنا. أنه أوروبى أو أفريقى أو لاتينى الأصل، وربما حتى عربى الأصل، الأمر الذى يحتفظ له بصفة الأجنبى مهما امتدت به الحياة فى هذا البلد الذى يتسع إلى حد قارة بأكملها.
إن الهنود الحمر هم وحدهم الذين يشعرون بأنهم مواطنون فى هذا البلد مهما قل عددهم وقل تأثيرهم السياسى والثقافى. الآن أستطيع أن أتبين السبب فى أن الأمريكيين لا يستخدمون كلمة «الأمة» لوصف أمريكا والأمريكيين بالمعنى القومى الذى تستخدم فيه هذه الكلمة فى الوطن العربى أو فى أى بلد آسيوى أو لاتينى، بل إنهم يستخدمون لفظ الأمة بمعنى الدولة.
لكن شعور الأمريكيين بأنهم أجانب لا يتوقف عند نقطة كونهم مستوطنين إنما يمتد إلى الطريقة التى ينظرون بها إلى البلدان الأخرى حتى تلك التى تربطهم بهم علاقات قديمة، إنما بالأخص أولئك الذين يصطدمون بهم فى خلافات واختلافات تصل إلى درجة الحروب والنزاعات الدموية. فالأمريكى لم ينظر فى أى وقت إلى الفيتناميين على أنهم مواطنون لوطن اسمه فيتنام. لنا أن نستنتج أن هذا أحد أسباب هزيمة أمريكا فى حروبها مع فيتنام وقبلها كوريا وبعدها العراق، والآن فى حربها ضد الأفغانيين والباكستانيين وأخيرا الليبيين.
وبالتأكيد فإن العلاقة الخاصة للغاية التى تربط بين أمريكا وإسرائيل ترتبط ارتباطا قويا بما يجمع بين المجتمع الأمريكى والمجتمع الإسرائيلى بصفتهما مجتمعين استيطانيين. الأمريكى استوطن الأراضى الأمريكية بالقوة وبالمثل فعل ويفعل الإسرائيلى. واذا كان الأمريكيون كلهم أجانب فى بلدهم فالإسرائيليون بالمثل كلهم أجانب مهما حاولوا إقناع أنفسهم بأن فلسطين كانت لهم قبل خمسة آلاف سنة تزيد قليلا أو تنقص قليلا.
•••
الموقف السياسى الذى تتخذه أمريكا من الثورات العربية الحالية مبنى بأكمله على هذا الاعتقاد بأن الأوطان التى تجرى فيها هذه الثورات ليست أوطانا بالمعنى الذى نفهمه نحن ــ أبناء الحضارات القديمة ــ إنما هى مستوطنات. وما شنته الغارات الجوية الأطلسية ــ بمشاركة أمريكية أو بدون هذه المشاركة ــ على سكان ليبيين بقصد الدفاع عنهم بقتلهم إنما يكشف عن غياب إدراك القيادات العسكرية الأمريكية أن المدنيين الليبيين على أى جانب كانوا هم أبناء الوطن نفسه. إنما يقوم الأمريكى تلقائيا بعملية تحويل لمن هم فى صفهم إلى مجموعة متميزة ولمن هم ضده إلى مجموعة لها تمايزات أخرى.
والنظرة بهذه العين إلى ليبيا هى نفسها النظرة إلى مصر وتونس واليمن وسوريا والعراق والسعودية وطبعا إلى البحرين وقطر والإمارات. ليست هذه ــ من وجهة النظر الأمريكية ــ أوطانا وبالتالى ينبغى أن تترك لتحل تعقيدات الثورة فيها بنفسها. والفرق بين حالة مصر ــ مثلا ــ والحالات الأخرى إنما ناتج عن قدرة الوطن المصرى على أن يعالج مشكلات الثورة فيه مستغنيا بالكامل عن أى تدخل خارجى.. اجنبى. لقد استطاعت مصر أن تظهر بالكامل وحدتها كوطن وكمواطنين فى مواجهة مشكلاتها وفى مواجهة العقلية الاستيطانية التى تحكم رؤية الولايات المتحدة للأوطان.
ويمكننا أن نقول بصيغة التأكيد إن كلا من الثورات العربية الحالية أو القادمة تستطيع أن تنال نصيبها من النجاح والاكتمال بقدر ما تستطيع أن تبعد عنها أطماع الاستعمار الأمريكية الأطلسية، بأن تعالج ثوراتها كشأن داخلى بين الطبقات المختلفة أو بين النوازع الفكرية المتباينة بين المواطنين. أن تحمى ثوراتها من التدخل الخارجى الذى من المؤكد أن يتعامل معها تعامل المستوطن الأمريكى لمنطقة اكتشف فيها الذهب حينما كانت حمى الذهب هى الدافع الرئيسى للاستيطان الأمريكى. والآن فإن حمى الذهب الأسود ــ النفط ومشتقات البترول كافة ــ هى الدافع الرئيسى للمستوطن الأمريكى يتبعه ويسير على خطاه المستوطن الأوروبى الأطلسى.
إننا ندرك ــ بالتأكيد ــ أن بعض المناطق التى يتطلع إليها الأمريكى كهدف استيطانى فى هذه المنطقة العربية لا تستطيع أن تحل مشكلات ثورتها الاجتماعية وحدها، لأنها محمية بوجود قواعد عسكرية أمريكية، وفى هذه القواعد العسكرية يفرض الأمريكى نفسه كما لو كان جزءا من الوطن، جزءا من التركيبة الاستيطانية التى لا يستطيع الاستغناء عنها ولا يستطيع الحكام إدارة شئونها بدون هؤلاء المستوطنين.. خاصة فى أزمنة الثورة.
•••
متى ــ فى هذه الظروف المعقدة ــ تستطيع الولايات المتحدة أن تدرك أنها سبب أساسى من أسباب الثورة فى كل من البلدان العربية التى تفجرت فيها الثورة أو تلك التى ستتفجر فيها؟ أو ــ على الأقل ــ متى تدرك إنها ليست الحل لهذه الثورات بل ليست جزءا من هذا الحل؟
وإذا كان الأمريكى أجنبيا فى أمريكا فإنه أجنبى ــ إذا جاز التعبير ــ فى كل وطن تقوم فيه ثورة من أجل أن تضىء الحرية كل الأرجاء. وهذا حال البلدان العربية الآن.