هناك موت سريع وموت بطىء.. هزيمة سريعة وهزيمة بطيئة. ولو أنك سالت أى انسان عما اذا كان يفضل الموت السريع أو الموت البطيء فإن الأرجح أن يفضل الموت السريع باعتبار أن الموت البطيء يكون مصحوبا بآلام لا قبل للإنسان بها. أما فى حالة الهزيمة فإن الاجابات تختلف. بل يمكننا أن نقول بالتأكيد ان الهزيمة البطيئة ربما تكون افضل لانها ــ ربما ــ تتسم بصفات بطولية وانها توصف بايجابية، أقلها أنها تتسم بالمقاومة. ما الذى يمكن أن نستنتجه إذا طرحنا السؤال عن الهزيمة السريعة والبطيئة مرتبطة بمعركة تقرير المصير لتنظيم الإخوان المسلمين؟ الأمر المؤكد أن الإخوان يخوضون معركة يعتبر بعضنا انها انتهت لأنهم هزموا وأن التنظيم لفظ بالفعل أنفاسه الأخيرة، بينما يعتبر بعضنا الآخر ان الإخوان لا يزالون يقاومون وإن كان من المؤكد أن تنتهى مقاومتهم إلى هزيمة نهائية. ولا نكاد نسمع صوتا ــ من خارج جماعة الإخوان ــ يدعى ان التنظيم سيعود منتصرا حاملا رايات الغلبة عائدا إلى السلطة وقادرا على الانتقام من أعدائه وسحقهم. هذا الطرف الثالث لا وجود له خارج تنظيم الإخوان. لكن المنتمين إلى هذا التنظيم وخاصة قياداته التى لم يقبض عليها بعد يستمرون فى اطلاق شعارات العودة وعبارات الانتقام. وهذه القلة الباقية خارج السجون بانتظار المحاكمة تبدو متفقة فيما بينها على اطلاق شعارات الثقة بأن الاخوان المسلمين عائدون بلا ريب يؤيدهم الشعب.
●●●
ولعل هذا التباين ينعكس فى الصحافة المصرية الرسمية والخاصة أكثر مما ينعكس أى اختلاف آخر. انك تصحو فى الصباح على عناوين إما تعكس نهاية الإخوان وتنظيمهم وحكمهم وإما تعكس استمرار وجودهم ومقاومتهم وأخطار رجوعهم إلى السلطة والهيمنة. ويوحى هذا بوجود تيارين غالبين. فهناك تيار الواقعية الذى يرى الأمور واضحة جلية فى تعبيرها عن نهاية تنظيم الإخوان، وتيار اللا واقعية الذى يتشبث بأن معركة الإخوان لم تنته، وإن لم يؤكد هذا التيار أن الإخوان يمكن ان يسودوا وأن يلحقوا الهزيمة بالشعب المصرى والجيش المصرى. ولعل السبب الحقيقى فى غياب هذا التأكيد هو انه لا توجد لدى اصحاب هذا الرأى اسباب عقلانية ومفهومة لتوقع هذه النتيجة المستبعدة. انعكست هذه الصور المختلفة فى طريقة تناول المصريين لهذا الامر فى طريقة التعبير عن التوقعات، ثم التعبير عن ردود الفعل ازاء اعلان بقايا الإخوان المسلمين عن نيتهم تحويل يوم الجمعة الماضى إلى يوم إخوانى بكل ما تعنيه الكلمة فى مواجهة الشعب والجيش تأكيدا لوجودهم وغلبتهم وقدرتهم على العودة ومحو الصورة السلبية عنهم. هنا مربط الواقعية واللا واقعية فى سلوك الإخوان بعد ان تلقوا الهزيمة الاساسية التى المّت بهم فى ميادين القاهرة والمدن الاخرى عدا اماكن ظهرت فيها استثناءات ضئيلة فى اماكن اخرى فى الصعيد وفى سيناء. وقد تميّزت هذه الاستثناءات بصورة القتال والظهور المسلح على النقيض تماما من مزاعم الذين يتحدثون بلسان الإخوان عبر قناة الجزيرة.. ربما لهذا تبدو الاجهزة الاعلامية فى مصر مشغولة بالمشهد الإخوانى بأكثر مما يحتمل الموقف وبما يتجاوز الحجم الحقيقى للإخوان المسلمين الآن بعد انتهاء معركة تصفية اعتصامى رابعة العدوية.
●●●
إن حكومتنا تبدو على درجة عالية من الاهتمام بالشأن الإخوانى، بدرجة تتجاوز الحجم الباقى من الإخوان المسلمين. وقد يعزى هذا إلى اهتمام مفرط من جانب الحكومة بالرأى العام الخارجى. وهنا لا نقول الرأى العام العالمى. فقد تراجع الرأى العام العالمى عن رؤيته الموقف فى مصر باتجاه الادراك الحقيقى لحجم ما بقى من الاخوان المسلمين. بينما اضطرت الولايات المتحدة لأن تهتم بالشأن السورى مبتعدة عن الشأن المصرى تعبيرا عن يأسها من اظهار قدرة حقيقية على التأثير على الوضع المصرى لصالح تنظيم الاخوان.
غير ان تجاوز الاهتمام الحكومى بأمر الإخوان لا ينطوى على أى ضرر يمكن أن يلحق بالموقف ككل. بل الواقع انه يشكل ــ خاصة بعد سقوط الزعيم الاخوانى محمد البلتاجى فى ايدى القوى الامنية ــ فائض قيمة جديرا بالتقدير لجهود القوى الأمنية فى التعامل مع خطر الاخوان. وينقلنا هذا إلى سؤال أكثر أهمية من ذلك الذى طرحناه فى البداية عن الموت السريع والموت البطيء. ينقلنا إلى التساؤل عن حجم الخطر الاخوانى اليوم بالمقارنة إلى هذا الخطر نفسه فى الوقت الذى خرج فيه ثلاثون مليونا وأكثر من المصريين لاعلان موقف لا يمكن أن يكون أكثر وضوحا فى معارضة الاخوان وحكمهم وتنظيمهم وزعاماتهم.
●●●
لقد تراجع خطر الاخوان إلى خط ادنى مما كان فى أى وقت منذ ان وضعوا عيونهم على المشاركة فى السلطة النيابية فى عهد مبارك. الوقت الذى اعتبروا انه غاية المنى بالنسبة اليهم قبل ان تقع ثورة 25 يناير 2011 وتطيح بنظام مبارك ثم تقع فى ظروف ارتباك غير مألوف تحت هيمنة الاخوان المسلمين. استطاع الشعب أن يسترد الثورة من قبضة الإخوان. وتبين من سلوك الاخوان منذ تلك اللحظة انهم عاجزون عن استيعاب درس الثورة وقدرتها الاعجازية على استعادة ثقة الشعب المصرى. فلقد توهم الإخوان المسلمون ــ وخاصة زعامتهم ــ ان باستطاعتهم الاحتفاظ بالسلطة والسيطرة على الحكم بالاستمرار فى ادعاء سيطرتهم على الثورة.
عادت الثورة إلى الشعب بفضل الدور الحاسم للجيش. ولن يفقدها.
كاتب صحفى مصرى