فجأة كبرت كل بنات العيلة أو هى اكتشفت مؤخرا جدا أنهن كبرن. اختفت اللثغة المحببة من كلامهن وعادت السين سينا والراء راء من جديد، خلعن الـ braces التى لازمت أسنانهن سنين طوالا فكشفت ابتساماتهن عن بهاء صفين اللولى، تخلين عن الكعوب العالية كن يعوضن بها قصر قاماتهن فهن الآن ما عدن فى حاجة إليها خصوصا أن الموضة منذ أعوام هى أحذية الباليرنا. كبرت البنات فعلا.
اكتشفت هذا الاكتشاف عندما جمعها بهن غداء فى منتجع على الطريق الصحراوى لأحد الأقارب من الفرع الميسور فى العيلة، ولكل عيلة فروعها. ففى مقابل شابتين مخطوبتين وثالثة متزوجة كانت هناك سبع شابات غير مرتبطات لا بخطبة و لا بزواج. ظاهرة بدأت تزحف بوضوح على المجتمع المصرى هى ارتفاع سن زواج الشباب حتى فى الشريحة الاجتماعية القادرة على تحمل أعبائه. إيه الحكاية؟ أحبت أن تسمع رأى النص الحلو فوجهت حديثها للبنات. قالت إحداهن فى استياء: أصبح صعبا جدا يا طنط العثور على عريس نظيف. ردت هى من فورها: لأ حقة كله إلا النظافة فانفجرت البنات ضاحكات لتفهم بعدها أن «نظيف» معناه «روش».
أثار فضولها بشدة هذا الربط بين النظافة والروشنة، وأحبت أن تسمع أكثر عن شروط بنات هذه الأيام للزواج. تطوعت واحدة براوية تجربتها عن شاب تقدم لها عن طريق بعض الأقارب كان مهندسا حرا مقبول الشكل والأسرة والمستوى المادى والخلق، كثير الأسفار بحكم طبيعة عمله، لكن مع الأسف يبدو أنه لم يستفد شيئا من احتكاكه بالخارج والدليل combuter أى نطقه الـ p بوصفها b كشفته زلة لسان فتبينت العروسة أن العريس ليس نظيفا. لم تصدق ما سمعت، هى تعلم طول عمرها أننا نحن المصريين لدينا مشكلة حقيقية فى التمييز بين حرفى الـ p والـ b إلى حد استخدام أحدهما مكان الآخر، لكن ما لم تتصوره أبدا أن يكون هذا مبررا لرفض عريس تشير كل مواصفاته الخارجية إلى أنه لُقطة. لم تتصور أن ما لا يقل عن ثلث المصريين ممنوع من الزواج بسبب حرف.
ونَوَعت أخرى على النغمة ذاتها عندما قالت إنها تخابثت على عريس رشحته جارتها فسألته ماذا يفعل بعطلته؟ فرد المسكين ببراءة أنه يتمشى أحيانا فى شوارع وسط القاهرة. اكتشفت العروسة أن العريس دقة قديمة لأن فسحة وسط البلد بطلت من زمان. وكان هذا مبررا لاستبعاد العريس لأنه ليس نظيفا مع أنه كان لا يختلف عن عريس الفتاة الأولى إلا فى خانة الوظيفة فقد كان محاسبا فى بنك. وتحدثت ثالثة عن عريس رُفض لأنه ثقيل الظل لا يأخذ ويعطى فى الكلام ونست الشابة الطيبة أنه بعد الزواج لا محل لخفة الظل أو حتى الكلام لا أخذا ولا عطاء.. وختمت رابعة بالقول يا طنط هذه كلها عيوب «جواز الصالونات».
معظم هؤلاء البنات خرجن من أسر متوسطة الحال، الأب والأم يعملان، أى أن عملهما هو مصدر دخلهما الوحيد مهما ارتفع هذا الدخل فمن أين جاءت بنات العيلة بهذه الأفكار الغريبة؟ استعادت فى ثانية مشهد لبنى عبد العزيز فى رائعة إحسان عبدالقدوس «أنا حرة» عندما أرادت العروس أن تتعالى بثقافتها على العريس كمال ياسين ففوجئت بأنه أعلم منها وأوسع معرفة وثقافة. قرأ كل أعمال توفيق الحكيم، أحب عنده رمزية يا طالع الشجرة ولاحظ تأثره بالإرادة العامة لجون جاك روسو فى عودة الروح. فلما وجدت العروس أن العريس أفحمها بما يعلم قبلت منه الزواج. فزمان وإن لم يكن زمان قوى كان المضمون فى الزواج هو الأصل أما الآن فلا.
أما أكثر ما يؤذيها فى اعتراض البنات على زواج هذه الأيام فإنها عبارة «جواز الصالونات»، ليس لأنها شخصيا دقة قديمة كصاحبنا الذى يتمشى فى شوارع وسط البلد، لكن لأن العبارة غير حقيقية. فالذين يعترضون على جواز الصالونات لا يمانعون بالضرورة فى «جواز الإنترنت» مع أن هذا صالون وذاك صالون فقط يختلف السياق. هذا فضلا عن أن صالون الأهل فيه معرفة وثقة وجدية واحترام فهل صالون الإنترنت كذلك؟
عندما كان قرص الشمس يلتهب وكأنه يحتج على الرحيل، ألقت نظرة أخيرة على البنات وانقبض قلبها فجأة، ذكرها غروب الشمس بانسياب أحلى سنوات العمر من بين أصابعهن وهن يرفضن عريسا تلو عريس، لكن مع فارق أن غروب الشمس يتلوه شروق أما أفول الصبا فلا شروق بعده.