كحك العيد - نيفين مسعد - بوابة الشروق
الخميس 3 أبريل 2025 3:36 ص القاهرة

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تتوقع نجاح اتفاق الهدنة في غزة؟

كحك العيد

نشر فى : الإثنين 5 أغسطس 2013 - 8:00 ص | آخر تحديث : الإثنين 5 أغسطس 2013 - 8:00 ص

من وقت لآخر يحدث شىء يذكرنا أننا فى شهر رمضان وينبهنا إلى أن العيد قد صار على الأبواب، فما تشهده مصر منذ عدة أسابيع يذهب تماما بالعقل، ويفرغ الأيام المفترجة التى ننتظرها من العام إلى العام من مضمونها الروحانى، ويحول الصيام الطويل إلى مجرد طقس للامتناع عن الطعام والشراب هذا إن لم يفت لك أحد مشايخ هذا الزمان بأن تفطر لأنك فى وضع الجهاد.

كنت أطالع صفحتى على الفيس بوك فى السابعة صباحا يوم الجمعة الماضى عندما أطلت على شروق وهى بنوتة لطيفة من تلامذتى السابقين فوجدتها قد كتبت العبارة التالية «للمرة الأولى تعترف ماما أن وجودى مهم فى البيت... لو ماكنش عندى بنت كان مين هينقش معايا الكحك ؟». دخل أصحاب شروق معها على الخط فقال لها عمرو إن والدته قد ذهبت توا لتنام بعد أن انتهت هى الأخرى من صنع كحك العيد، وعلقت شيماء بأن كل الأمهات اتفقن فيما يبدو على يوم واحد لصنع الكحك، وتدخلت شروق قائلة إن والدتها عادة ما تشترى كحك العيد جاهزا لكنها هذا العام صممت أن تصنعه بيديها لتخفف من جو الكآبة الذى يخيم على الأسرة، طلبت أميرة أن تتذوق الكحك فدعتها شروق فى إلحاح لأن تفعل.

●●●

أخذنى هذا الحوار المبهج فى ساعات الصباح الأولى من ميادين الصراخ والدم والفتوى والسياسة، وذهب بى إلى ميدان آخر يشبه مصر والمصريين. ميدان يطبق بعفوية مدهشة ما ينصح به علماء النفس أى شخص تحيط به أزمة طاحنة أن يبحث عن فعل شىء مختلف وجديد. هذا التمرين النفسى جربه كل واحد منا عدة مرات عندما تراكمت عليه الأعباء العملية أو الدراسية أو مر بأزمة مالية، فمضى يكسر جمود الموقف بنفس عميق يأخذه من شرفة المنزل، أو تدخين سجارة، أو تثبيت الريموت على فيلم كوميدى من سينما الأبيض والأسود، أو التسوق وشراء ما لا يلزمه بالضرورة. أما فى هذه الأيام الصعبة التى تمر بها مصر فقد قررت مجموعة من النساء محاربة النكد بالكحك، نعم سيتعبن كثيرا وربما يتكلفن أكثر وقد لا يكون المنتج النهائى أفضل من ذلك الذى يباع فى الأسواق، لكنهن من أجل تغيير الطعم المر فى حلوقنا قررن رش ذرات من السكر على الشفاه.

●●●

عادت بى قصة شروق وأصحابها إلى أيام الطفولة الجميلة عندما كان الكحك المنزلى تقليدا أسريا شائعا، وعندما بدأت المخابز ومحال الحلوى تنافسه بقوة جذب الكحك الجاهز بعض الزبائن لأول مرة، ثم انحسرت بشدة صناعة الكحك المنزلى ومعها تقاليد مصرية أخرى كثيرة مع زحف قيم المدينة وميكنة العلاقات الاجتماعية وليس فقط الأطعمة والمأكولات. صار أثرا من آثار الماضى البعيد ذلك المشهد الذى كنت أحجز فيه موقعى فى الدائرة اللصيقة بأمى، أركز بشدة فى أصابعها وهى تنقش الكحكة تلو الأخرى وترصها بحب فى الصاج بعد الصاج، وأحاول عبثا تقليدها. شىء من هذه الطقوس الحميمة لا تعرفه ابنتى ولا بالتأكيد حفيدتى، هما أصلا لا تحبان الكحك، لكن ها هى بعض أمهات هذا الجيل يعدن إلى الذاكرة شيئا من عادات الزمن الجميل، ويبعثن فى نفس شروق وفى نفوس كل البنات إحساسا بالأهمية لأنهن مطلوبات للمساعدة فى نقش الكحك.

اكتشفنا على كَبَر دورا سياسيا لكحك العيد، ففى الوقت الذى تقاوم فيه بعض الأسر المصرية النكد السياسى بصناعة الكحك فإن أصواتا جهورية تنطلق من منصة رابعة العدوية تروج لصناعة الكحك وتدعو لبناء الأفران بهدف المكايدة السياسية، لا يهم ابدا على أى أشلاء تتم وبأى دم يسال.

نيفين مسعد أستاذة بكليّة الاقتصاد والعلوم السياسيّة جامعة القاهرة. عضو حاليّ فى المجلس القوميّ لحقوق الإنسان. شغلت سابقاً منصب وكيلة معهد البحوث والدراسات العربيّة ثمّ مديرته. وهي أيضاً عضو سابق فى المجلس القوميّ للمرأة. حائزة على درجتي الماجستير والدكتوراه من كليّة الاقتصاد والعلوم السياسيّة – جامعة القاهرة، ومتخصّصة فى فرع السياسة المقارنة وبشكلٍ أخصّ في النظم السياسيّة العربيّة. عضو اللجنة التنفيذية ومجلس أمناء مركز دراسات الوحدة العربية ببيروت. عضو لجنة الاقتصاد والعلوم السياسية بالمجلس الأعلى للثقافة. عضو الهيئة الاستشارية بمجلات المستقبل العربي والسياسة الدولية والديمقراطية
التعليقات