فى أكتوبر من عام 1929 وقع ما يعرف فى تاريخ العالم الرأسمالى كله بـ«الكساد الكبير». استمر هذا الوضع الاقتصادى والاجتماعى الكارثى نحو عشر سنوات. ارتفعت اعداد العاطلين فى امريكا الى واحد بين كل أربعة من العمال. انتحر من انتحر من المستثمرين ومن المضاربين فى البورصة، وتحول من تحول الى متسولين بمئات آلاف فى شوارع المدن الأمريكية (والأوروبية). ولا تزال كل موجة ركود تصيب العالم الرأسمالى أو بعض اجزائه تقاس فى شدتها إلى ذلك الكساد الكبير. فإذا اقتربت المؤشرات منه اعتبر أى كساد كارثة اقتصادية.
مع ذلك لم يخطر ببال احد من الطبقة العاملة الامريكية او من رجال الاعمال الذين ضربهم الإفلاس فى احتلال حى المال والأعمال فى نيويورك حيث تقع سوق الأوراق المالية (البورصة) الرئيسية فى أمريكا. ولكن هذا حدث يوم 17 سبتمبر الماضى. ولا تزال دفعات وراء دفعات من المحتلين تتجمع فى جانب من «وول ستريت» بعد أن تصدت الشرطة الأمريكية بقسوة غير مألوفة للدفعة الأولى من مئات العمال الأمريكيين الذين أرادوا أن يطبقوا شعار حملتهم «احتلال وول ستريت». وعندما اعتقل منهم 85 بدت النسبة عالية أعلى بكثير من المعتاد.
●●●
فهل يمكن الاستنتاج من هذا بأن كساد الاقتصاد الأمريكى هذه الأيام أقسى أو على الأقل بقسوة «الكساد الكبير»؟ أم أن الحركة تمثل أول تماثل أو تتشابه مع أحداث «ميدان التحرير» فى مصر.. الأمر الذى تنبأ به كثيرون خاصة من الكتاب اليساريين وحتى من الليبراليين، بينما سخر الكتاب المحافظون؟
طبعا لا. فى أمريكا اليوم كساد لكنه لم يصل بعد الى هذا المستوى. ولكن كثيرا من الظواهر المصاحبة لهذه الحركة تشير إلى أنها ليست أكثر من بداية وأن تأثير مظاهرات القاهرة محسوس تماما. والشعور العام السائد هو أن «افتراء» كبار الرأسماليين الأمريكيين ومؤسساتهم الكبرى فاق الحدود وفاق احتمال العمال والفقراء وأبناء الطبقة المتوسطة خاصة أن أعدادا كبيرة من المؤسسات الكبرى لا تدفع ضرائب بالمرة بينما تتصاعد الضرائب على العاملين من الطبقة المتوسطة والعمال.
قبل أسابيع قليلة كتب مايك كريجر ــ وهو من المختصين بشئون الاقتصاد وتأثيراته الاجتماعية فى أنحاء العالم دون أن يكون يساريا أو منتميا إلى أى حزب أو تنظيم سياسى ــ مؤكدا أنه لا مجال لتوقع كوارث اجتماعية فى أمريكا على غرار تلك التى تحدث فى البرتغال واليونان وإسبانيا وغيرها، فاحتياطى الدولار الأمريكى الذى يمكن أن تطبع منه أى كمية «قادر على الاحتفاظ بأمريكا سمينة وسعيدة تنام مطمئنة». ولكن كريجر نفسه عاد قبل أيام (28/9/2011) فاعتذر لقرائه عن الخطأ الذى ارتكبه عندما قال ما قال، معترفا بان الشعب الأمريكى يعيش الآن بداية حالة من الثورة السلمية ضد الأقلية المجرمة الحاكمة التى تشكل المافيا التى تدير شئون البلاد بالتزييف والفساد».
ويتوقع كريجر فى آخر ما كتب انه «خلال ستة شهور من الآن ستكون حالة الثورة السلمية قد تحركت من تحت السطح الى الجبهة فى عقل كل فرد. ستكون سلمية ولكنها ستضع نهاية للطريقة التى يتم بها تسيير الأمور، سيكون هناك مزيد من الحرية وطريق طويل نحو اعادة بناء مجتمع آمن عادل حر واكثر محلية.. هذا ما بدأ به القائمون بحركة احتلال وول ستريت».
●●●
نادرا للغاية ما يحدث هذا فى أمريكا. فالكتاب ــ فى أى مكان فى العالم لا يعترفون عادة بانهم يخطئون. لكن ثمة إدراكا عاما لدى الرأى العام الأمريكى بان الثورة وصلت إلى أمريكا أخيرا وأن الوقت قد حان لأخذ الأمور بكل جدية. وثمة شعور يزداد اتساعا وعمقا بين الأمريكيين بأن القائمين بهذه الحركة يؤدون عملا جديا للغاية وأن يكن من الصعب توقع نتائج سريعة منه.
وعلى الرغم من الاختلاف فى الحجم والغايات النهائية بين مليونيات «ميدان التحرير» وميادين المدن المصرية الأخرى، إلا أن أوجه الشبه كثيرة، خاصة فى مدى اعتماد الموقعين فى القاهرة وفى نيويورك على وسائط الإعلام الاجتماعية (الميديا الاجتماعية) مثل «فيس بوك» و«تويتر»، فضلا عن سلمية الثورة إذا جاز لنا أن نسمى حركة «احتلال وول ستريت» ثورة. وفضلا عن ذلك فإنه فى الحالتين لا توجد قيادة. والتدخل فى الحالة الأمريكية لم يصل إلى نقطة محاولة الاستعانة بالقوات المسلحة واتخاذ هذه موقفا مواليا للثورة او مناهضا لها.
مع ذلك فان هذه الحركة الأمريكية نجحت فى ان تقنع كثير من الأمريكيين بان المشكلة فى أمريكا ليست مشكلة الفقر كما يتصور معظمهم، انما هى مشكلة الدمار الذى تسببه وول ستريت للمجتمع الأمريكى. أى أن المشكلة هى مشكلة النظام الاقتصادى ــ الاجتماعى بعد أن أصبح بالكامل تحت سيطرة كبار رجال الأعمال أصحاب الشركات والمؤسسات العملاقة.
أظهرت هذه الحركة للأمريكيين أنهم مطالبون ــ بعدها ــ بأن يدخلوا فى طريق ثورة اجتماعية حقيقية من حيث الحجم والقدرات والغايات القصوى. وهذا يعنى ــ كما عبر كثيرون من الكتاب الصحفيين الأمريكيين ــ التحول إلى الظاهرة نفسها التى انطلقت فى «ميدان التحرير» سواء تصورنا أنها حققت غاياتها أو لا تزال مستمرة فى ممارسة قوى دفع جديدة. لقد تبين للأمريكيين من الآن أن حركة احتلال وول ستريت تعبر عما يدور فى خلد غالبية الشعب الأمريكى من ضرورة التغيير فى النظام السائد من أجل التوصل الى الديمقراطية الحقيقية التى تحدث عنها الآباء المؤسسون، أولئك الذين قادوا الثورة الأمريكية ضد الاحتلال البريطانى وتفرغوا بعد ذلك لصياغة الدستور الأمريكى الذى لا يزال مطبقا حتى اليوم من الناحية النظرية الشكلية. لقد أثبتت تطورات السنوات الخمسين الأخيرة أن الديمقراطية الأمريكية فقدت معناها وأن البلد يتحول الى مجتمع تسيطر عليه مصالح من لا يزيدون على نسبة واحد بالمائة من السكان.
●●●
وإذا كانت هذه الحركة قد وجهت أنظار الأمريكيين إلى دور حى المال والأعمال فى إفساد النظام الأمريكى فإنها نبهتهم بالدرجة الأولى إلى ضرورة الاتجاه نحو العمل من أجل ديمقراطية حقيقية تعيد العملية السياسية الأمريكية إلى خطها الصحيح. وهذا يعنى أول ما يعنى أن نظام الحزبين اللذين يتبادلان الحكم بانتخابات تشريعية ورئاسية لا تتجاوز نسبة الناخبين فيها 30 بالمائة لم تعد توفر للأمريكيين نظاما سياسيا عادلا.
لقد وصل الفساد المتمثل فى أصحاب المؤسسات العملاقة إلى حد العبث بقرارات المحكمة العليا على سلطة قضائية فى البلاد لأنها المفسر الوحيد للدستور. فقد أصدرت فى العام الماضى ــ فى قضية كانت تسمى «قضية المواطنين المتحدين» ــ قرارا بأنه لا حدود على المبالغ المالية التى يمكن للمؤسسات أن تنفقها على الحملات السياسية (بما فى ذلك الحملات الانتخابية).
فى الوقت نفسه فإن الإعلام الأمريكى ــ على الرغم من تطور استخدامه الواسع للتكنولوجيا ــ قد فقد قدرته على التأثير السياسى بعد أن أصبح أسيرا من الناحية المهنية لقاعدة جديدة تقول إنه لا يملك حق طرح مطالب سياسية (...) وهكذا يمكن القول إن المال اصبح اكثر تأثيرا فى مجال طرح المطالب السياسية التى تتفق مع مصالحه.
والسؤال ــ فى ضوء حركة «احتلال وول ستريت» هل سيكون ما بعد الحركة ــ بصرف النظر عما إذا كان هذا سيحدث عاجلا أو آجلا ــ استمرارا للوضع الراهن الذى توضع فيه على الرف مصالح الرأى العام لحساب مصالح الشركات، أو تحول إلى الاهتمام نظريا وعمليا بمصالح الغالبية الساحقة من الشعب الأمريكى.
لم يعد الأمر يتوقف إذا على تحسين الأحوال الاقتصادية.. إنما تحسين شروط العمل بالمبادئ والأسس الديمقراطية فى النظام السياسى الأمريكى، بعيدا عن احتكار المؤسسات العملاقة للسلطة.