الجريمة والعقاب - نيفين مسعد - بوابة الشروق
الخميس 3 أبريل 2025 3:47 ص القاهرة

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تتوقع نجاح اتفاق الهدنة في غزة؟

الجريمة والعقاب

نشر فى : الخميس 5 نوفمبر 2009 - 10:34 ص | آخر تحديث : الخميس 5 نوفمبر 2009 - 10:34 ص

 الفيلم الجديد الذى أخرجه كوينتين تارانتينو، وقام ببطولته براد بيت، ليس مثل عشرات الأفلام التى تناولت المحرقة اليهودية، من قبيل أفلام قائمة شندلر، وعازف البيانو، والتحدى. فقد كانت له نهاية شديدة الاختلاف فى الوقت نفسه، يحمل الفيلم عنوان «Inglourious Basterds» وجرت ترجمته إلى «الأوغاد المغمورون».

وهو يحكى عن معاناة يهود فرنسا فى ظل حكومة فيشى إبان أربعينيات القرن الماضى. فبطلته سوشانا كانت شاهدة على قتل كل أفراد أسرتها على يد الكولونيل الألمانى هانس لاندا الذى عَـنَّ له لسبب غير مفهوم ألا يصوب مسدسه إليها وهى تركض أمام عينيه، مخلفة وراء ظهرها أبواها وأخواها وقد تحولوا إلى أشلاء متناثرة. ومع أن سوشانا حملت فى داخلها بالتأكيد حقدا دفينا على رجال النازى، وودت لو قدر لها أن تنتقم منهم، إلا أنها لم تكن تحلم أن يأتى ذلك اليوم الذى تنتقم فيه من هتلر نفسه. ومن أبرز أركان حكمه: جوبلز وزير دعايته، وبورمن مسئول أمنه، وجورينج عضو الحزب البارز والعسكرى المحنك.

جاءت سوشانا فرصة عمرها عندما وقع فى حبها فريدرك زولر الضابط الألمانى الذى قنص عشرات اليهود ببراعة، وحاول أن يتقرب إليها بإقناع جوبلز بعرض فيلم «مفخرة الوطن»، الذى يحكى عن الإنجازات العسكرية للنازيين ومنهم زولر نفسه، فى السينما التى تمتلكها سوشانا. اقتنع جوبلز بالفكرة ووافق على نقل دار عرض الفيلم من سينما ريتز إلى سينما سوشانا، وشاع أن هتلر ورجاله سيحضرون الحفل.

بسرعة تحركت الفتاة اليهودية ونسقت مع مارسيل عاملها الزنجى المخلص من أجل أن يكون العرض الأول للفيلم هو اليوم الأخير فى حكم النازى، وبالتالى فى الحرب العالمية الثانية. وبالفعل فما إن جاءت اللحظة المتفق عليها، وهتلر فى نشوة بالغة بمشاهدة «مفخرة الوطن»، حتى أضرم الزنجى النار فى السينما، وأطلت سوشانا على الحاضرين عبر الشاشة تردد بلهجة تقطر بالتشفى: «هذا هو وجه الانتقام اليهودى». وهكذا لم ينج من المشاهدين أحد، فمن لم يمت محترقا قتلته المتفجرات التى زرعتها دون تنسيق مسبق فرقة من ثمانية ضباط أمريكيين من ذوى الديانة اليهودية، اختار الملازم ألدورين أو براد بيت أفرادها بعناية فائقة. ودفع «المناضلان» سوشانا ومارسيل حياتيهما ثمنا رخيصا لوطن فرنسى تعيش فيه الأقليات الدينية والعِرقية بحرية وكرامة.

هكذا يخبرنا الفيلم أن اليهود بعد أكثر من ستين عاما على أحداث المحرقة، ورغم تكفير كل أوروبا وليس ألمانيا وحدها عن جرائم النازى بحقهم حتى دانت لهم مراكز القوة فى الاقتصاد والإعلام والسياسة وتجارة السلاح فى العالم، مازالوا يبحثون عن الانتقام ويعتبرون أن انتحار هتلر حرمهم من نيل شرف قتله والتمثيل بجثته كما كان يحدث مع من يقنصونه من رجال النازى. يأتى الفيلم ليضع نهاية هتلر وصحبه على يد سوشونا اليهودية، ويقول لنا بوضوح: إن هذه هى النهاية التى يستحقها هتلر، وأنها التى تشفى غليل اليهود وتطوى صفحة المحرقة حتى إشعار آخر.

ولعله من قبيل المفارقة أن يتزامن عرض هذا الفيلم مع تبنى مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة تقرير جولدستون الذى يسجل على إسرائيل ارتكابها جرائم حرب بشكل عمدى مقصود خلال عدوانها الوحشى على غزة من 27 ديسمبر 2008، حتى 18 يناير 2009. وذلك أنه فى الوقت الذى يتفنن فيه الفيلم فى محاولة التعويض النفسى لليهود بعد ستين عاما أو يزيد، فيجعلهم يحرقون هتلر كما أحرقهم رجاله فى أفران النازى، يأتى رد الفعل الإسرائيلى على تقرير جولدستون لينكر على شهداء حرب غزة وجرحاها حقهم فى كلمة إنصاف، مجرد كلمة، شهد بها شاهد من غير أهلهم. فبغض النظر عما يكون قد لحق بمحتوى التقرير من عبث، فإن نسخته الأصلية تحمل إدانة لا أوضح منها للقوات الإسرائيلية بانتهاك أحكام اتفاقيات جنيف لعام1949 عبر استهداف المدنيين فى المدارس والمساجد والبيوت وملجأ الأونروا التابع للأمم المتحدة وإتلاف الحرث والزرع، وتدعو فى ظل عدم جدية إسرائيل فى التحقيق فى تلك الانتهاكات إلى اعتماد الولاية العالمية فى هذا التحقيق منعا للإفلات من العقاب ونهوضا بالمسئولية الدولية فى حماية المدنيين الأبرياء.

من قبل أن يصوت مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة على التقرير، والمسئولون الإسرائيليون يشنون حملة ضارية على لجنة تقصى الحقائق التى صدر عنها التقرير، ولاشك أن تلك الحملة قد زادت حدتها أضعافا مضاعفة بعد تصويت المجلس، ومضت خطوة أبعد بالدعوة إلى تعديل القوانين الدولية للحرب حتى لا تسول لأحد نفسه فى المستقبل أن يلوح بمعاقبة جنود إسرائيل على جرائمهم. وفى كل الأحوال، صوت مجلس حقوق الإنسان أم لم يصوت، فإن إسرائيل «ستعمل على الحفاظ على أمن سكانها» فى إشارة إلى تجاهل التقرير ونتائجه كما ورد على لسان زعيمة حزب «كاديما» تسيبى ليفنى.

ضاقت إسرائيل ذرعا بتقرير هى تعلم ــ كما نعلم جميعا ــ أن قيمته الوحيدة رمزية لا أكثر ولا أقل، فدون تبنى مجلس الأمن التقرير الفيتو الأمريكى دون إشارة إلى الفيتو المحتمل من قبل أطراف أخرى فى المجلس، ومع ذلك لا تجد إسرائيل أن 1400 فلسطينى سقطوا فى أقل من شهر دامته حربها الوحشية على غزة يستحقون هذه الترضية الرمزية. إنها تدرك معنى الرمز ودلالته، وإلا ما شاهدنا فانتازيا قتل هتلر على يد يهودية.

الطريف أن أصواتا إسرائيلية لم توفر جهدا فى الاعتراض على الفيلم، أولا لأنه يصور اليهود قساة يضربون أعناق أعدائهم ويهشمون رؤوسهم وينزعون شعورهم، وكأن ما كنا نراه بعيوننا على أرض فلسطين من تعبير يهودى عن حقد أسود دفين، إنما يجرى على كوكب المريخ. وثانيا لأنه يظهر أحد النازيين فى ثوب بشر ويجعله يخجل من جرائمه بحق اليهود، وكأن لا شئ قادرا على محو ذنب المحرقة، والأدق أنه لا شئ مطلوبا منه محو ذنب المحرقة لتظل على الدوام أداة للابتزاز والضغط والمنفعة.

عند اليهود لا تسقط الجريمة بالتقادم، أما جرائمهم بحقنا، فإنها جرائم بلا عقاب، طالما ظل العالم يحكمه قانون القوة.

نيفين مسعد أستاذة بكليّة الاقتصاد والعلوم السياسيّة جامعة القاهرة. عضو حاليّ فى المجلس القوميّ لحقوق الإنسان. شغلت سابقاً منصب وكيلة معهد البحوث والدراسات العربيّة ثمّ مديرته. وهي أيضاً عضو سابق فى المجلس القوميّ للمرأة. حائزة على درجتي الماجستير والدكتوراه من كليّة الاقتصاد والعلوم السياسيّة – جامعة القاهرة، ومتخصّصة فى فرع السياسة المقارنة وبشكلٍ أخصّ في النظم السياسيّة العربيّة. عضو اللجنة التنفيذية ومجلس أمناء مركز دراسات الوحدة العربية ببيروت. عضو لجنة الاقتصاد والعلوم السياسية بالمجلس الأعلى للثقافة. عضو الهيئة الاستشارية بمجلات المستقبل العربي والسياسة الدولية والديمقراطية
التعليقات