ثورتنا تحـت الحصار - سمير كرم - بوابة الشروق
الجمعة 4 أبريل 2025 7:12 م القاهرة

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تتوقع نجاح اتفاق الهدنة في غزة؟

ثورتنا تحـت الحصار

نشر فى : الأربعاء 6 أبريل 2011 - 9:54 ص | آخر تحديث : الأربعاء 6 أبريل 2011 - 9:54 ص

 لعله لا مفر من البدء من تعريف بسيط وواضح لما نعنيه حينما نستخدم عبارة «التيارات الدينية السلفية».

إن القصد هنا هو أن كل التيارات الدينية هى سلفية وأن كل التيارات السلفية هى دينية. وكونها دينية وكذلك كونها سلفية لا يعطيها امتيازا خاصا بأنها صادقة كل الصدق أو بأنها على حق دائما.

ثورتنا المصرية ــ وكذلك كل الثورات العربية فى المحيط الجغرافى والقومى ــ لا تزال فى بداياتها. ولكن ثورتنا، وهى لم تكن الاولى فى المنطقة، الا انها قطعت شوطا اكبر واجتازت مراحل. ويرجع الفضل فى ذلك إلى نضج وعى الجماهير المصرية من ناحية والى الدور الذى حدده لنفسه فيها الجيش المصرى من ناحية اخرى.

وربما نستطيع القطع بأن تونس التى سبقت ثورتها الثورة المصرية بايام ولعبت دور التعجيل بقيام الثورة فى مصر هى الاكثر شبها بالثورة المصرية من نواحى عديدة، أولها الطابع السلمى الذى اتسمت به من البداية وحتى الآن باستثناءات بسيطة ضئيلة. لكن منذ ان دخلت احداث ليبيا بثورتها منعطف العنف، الذى يبدو من الصعب للغاية خروجها منه، وقد بدأنا نتحول من التركيز الذى واكب البدايات الاولى لهذه الثورات على اوجه التشابه التى تجمع بينها إلى اوجه الاختلاف. وربما يوجهنا هذا القول إلى التركيز على ملامح الاختلاف شعور داخلى عميق بالخوف من هذا المنعطف الخطر الذى يمكن ان يهدد مصير الثورة، او بصريح العبارة يهدد بهدمها والقضاء عليها.

مع ذلك فإن الحقيقة هى ان اوجه الشبه بين هذه الثورات العربية ــ أو بعض أوجه الشبه بينها ــ هو ما يثير عوامل الخوف على مصيرها وليس عوامل الاختلاف.

ولا بد ان نقرر من البداية اننا لسنا بصدد مقارنة بين الثورة السلمية المصرية والثورة ــ التى تحولت إلى العنف ــ الليبية. ذلك ان اوجه الشبه التى تثير المخاوف ليست قائمة فقط بين الثورتين المصرية والليبية، انما هى قائمة بين الثورات العربية التى بدأت بالفعل وتلك التى يمكن ان تبدأ فى اليوم التالى أو الذى بعده. بل ان التماثل الذى يدفع إلى الخوف يتمثل فى بعض القوى المشاركة فى تلك الثورات كما فى ثورتنا المصرية. وعلى وجه التحديد فإن التيارات الدينية السلفية تمثل فى هذه الثورات جميعا عنصرا مشتركا. وقد نستطيع أن نجزم بأن هذه التيارات فى مصر التزمت بالهدوء السلمى فى الثورة ولم تندفع إلى استخدام السلاح كما حدث فى الثورة الليبية. لكن هذا لا يكفى بحد ذاته للجزم بان هذه التيارات ستؤثر الانضواء تحت اعلام الهدوء السلمى فى مصر او فى غيرها، مهما تطورت الاحداث ومهما بدا نصيبها من مكاسب الثورة أكثر ضآلة من توقعاتها.

ولابد لنا ان نخشى من حقيقة وجود التيارات الدينية السلفية فى كل الثورات العربية التى بدأت الآن والتى ستبدأ لاحقا وان كنا لا ندرى اين فى الوطن العربى الكبير الممتد. فإن انتشارها بحد ذاته عامل قوة يمكن ان يغرى بعض فئاتها على اللجوء للقوة اذا وجدت ان المجتمعات التى تنتمى إليها لا تطاوع فكرها وميولها السياسية والاجتماعية. إن لهذه التيارات السلفية وجودها فى مصر وتونس وبالمثل فى ليبيا وفى اليمن وفى سوريا...وهذه هى البلدان التى بدات فيها بوادر الثورة أو ما هو أكثر من البوادر. وهى ــ أى تلك التيارات ــ موجودة ايضا فى بلدان عربية اخرى مرشحة لمثل هذه التطورات مثل الجزائر والمغرب والسعودية وبلدان الخليج.

وبمعنى اوضح واصرح فإن ثورة مصر، التى قطعت ما قطعته من اشواط وتحولات محددة فى جو سلمى يتسم بالهدوء حتى على الرغم من وجود مخاوف واختلافات فى الاجتهادات حول ما تم وما كان ينبغى ان يتم، تحيط بها من جميع الاتجاهات ثورات ومشروعات ثورات تشكل التيارات السلفية فيها قوة لا يستهان بها. ولا يمكن استبعاد احتمالات التنسيق او التعاون بين هذه التيارات فى كل تلك البلدان أو بعض منها، خاصة اذا بدا أن مثل هذا التنسيق او التعاون يمكن ان يعطى مردودا فى ظل اوضاع تتميز بالسيولة والقابلية للتغيير. وهذا امر ينذر ايضا باحتمالات اللجوء إلى العنف.

لعل بالإمكان القول بأن التيارات الدينية السلفية تتسم فى مصر باللاعنف. أى أن بامكاننا أن نقول إن كون هذه التيارات مصرية يجعلها محكومة بظروف مصر وسمات مصر الاساسية المؤثرة وبينها سمة السلمية والهدوء. ولكن هذا ينطوى على نسيان أمرين: اولهما ان الجماعات السلفية المصرية سبق ان مارست العنف فى مواجهة استبداد السلطة. وثانيهما ان هذه الجماعات تجد فى الثورة ــ المصرية كما فى غيرها ــ فرصة قد لا تتكرر لتأكيد احقياتها وقدراتها فى مجال ممارسة الحكم او المشاركة فيه. يضاف إلى هذا ان الدينيين السلفيين بدأوا بالفعل يمارسون ــ فى اطار الاخلاقيات ــ اعمالا عنيفة لم تشمل إلى الآن حمل السلاح انما تصدت لمن تعتبرهم عقبة فى وجه المجتمع الدينى السلفى وعورات لا يصح وجودها اصلا. وفضلا عن ذلك فإن التيارات الدينية السلفية فى مصر تشترك مع التيارات نفسها فى البلدان العربية الأخرى فى انها تعرضت تاريخيا لأقسى درجات القمع والاضطهاد من جانب النظم الاستبدادية التى من اجل تنحيتها وتغيير المسارات بعدها اشتعلت هذه الثورات التى نعيش الآن تحت أضوائها ونتمنى ألا تتحول إلى نيران حارقة.

وقد أظهرت المؤشرات المبكرة فى مصر ان التيارات الدينية السلفية يمكن ان تصاب باحباطات انتخابية عندما تدخل مصر مرحلة انهاء الوضع الانتقالى وتتهيأ لتكوين مؤسساتها الديمقراطية. عندئذ ستصحو تلك التيارات على واقع تدرك فيه ان الثورة لم تقم فقط لإنصافها من جبروت وقمع النظام الاستبدادى الفاسد، انما قامت لادخال تغيير كلى على نظام الحكم ومؤسساته. والطريقة التى تهيأت بها تلك التيارات للمشاركة فى النظام الجديد تحمل كثيرا من المؤشرات الدالة على انها تعتبر نفسها اجدر بالحكم وأقدر على تحمل تبعاته، فضلا عن ان التغييرات التى ستدخل مصر طريقها لن تلبى طلبات واهداف الدينيين السلفيين باى حال.

الأمر الذى لا شك فيه أن الامكانية النظرية البحتة لتحول التيارات السلفية فى اى مكان إلى استخدام العنف المسلح تجد لها مبررات فى فكر هذه التيارات وادبياتها. ولكن مهما كانت درجة اطمئناننا إلى ابتعاد مصر عن تيار العنف فى استكمال مسيرة ثورتها ينبغى الا يكون هذا الاحتمال بعيدا او مستبعدا بصفة نهائية.

إن موقع مصر المؤثر فى قلب الأمة العربية وفى قلب احداثها هو نفسه الذى يضع ثورتها فى الظروف الراهنة تحت الحصار.. خاصة بعد الشوط الذى قطعته ليبيا فى ثورتها فى طريق العنف المسلح، وخاصة مع احتمالات مماثلة يمكن ان تسفر عنها تطورات سوريا وتطورات اليمن اللتين دخلتا حيز الثورة بالفعل، فضلا عن بلدان اخرى تبدو فيها احتمالات التدخل الخارجى ــ الأطلسى بالدرجة الأولى ــ أقرب إلى الحدوث لحماية ما يعتبره الغرب مصالحه الأساسية والحيوية، خاصة السعودية والخليج.

وهذا يعنى أن مصر مطالبة بأن تكون فى أعلى درجات اليقظة من الأخطار المحدقة، ليس فقط من الداخل بل من الخارج. مطالبة بأن تستكمل ثورتها مستعينة بكل ما لها من ميراث حضارى استخدمته بوعى عميق خلال المراحل السابقة منذ 25 يناير. ومطالبة بان تترك المجال مفتوحا للتيارات الدينية السلفية للمشاركة فى النظام الديمقراطى حيث لا يكون لها شأن اعلى من غيرها بمجرد وجودها، انما بجهودها فى تعزيز الديمقراطية والحريات العامة. وذلك من اجل ان تبقى ثورة مصر.. وأن يبقى تميزها.

سمير كرم  كاتب سياسي مصري
التعليقات