حسبنا الله ونعم الوكيل - نيفين مسعد - بوابة الشروق
الخميس 3 أبريل 2025 3:29 ص القاهرة

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تتوقع نجاح اتفاق الهدنة في غزة؟

حسبنا الله ونعم الوكيل

نشر فى : الأربعاء 6 مايو 2009 - 7:11 م | آخر تحديث : الأربعاء 6 مايو 2009 - 7:11 م

 ظهرت نتيجة التِرم الدراسى الأول، وبدأ عدد لا بأس به من الطلاب يُحسِبن على أساتذته وهى منهم. فالنتائج المعلنة لا ترضى الكل بالضرورة، ورضاء الكل ليس ممكنا، فضلا عن أنه ليس مطلوبا، لأنه يلغى مساحة الاختلاف سواء فى الرأى أو فى التقييم. يغضب الراسبون لأنهم لم ينجحوا، والناجحون لأن تقديرهم دون المتوقع. قليلون جدا هم الذين يرون أنهم يستحقون درجاتهم بغير زيادة أو نقصان.

نتائجنا لا ترضى الطُلاب، مع أن هذه النتائج قبل إعلانها تخضع لعمليات تجميل، هى لا تدرى لو لم تتم كيف كان يتوقع أن يكون رد فعل الطلاب. فنصف الدرجة تُجبر إلى واحد صحيح، ولجان الممتحنين تحت بند درجات الرأفة تحول الراسب بقدرة قادر إلى ناجح، والحالات الحرجة تجد دائما من يتفهمها ويتعاطف معها. ومع ذلك يعتقد الطلاب أنهم يستحقون أكثر مما حصلوا عليه.

يبدأ تململ الطلاب سرا، ثم يصبح تململهم بالتدريج علانية، يطلبون إعادة رصد الدرجات، ويكتبون عبارات الاحتجاج على النتائج المعلقة على جدران الكلية، ويختصون الأساتذة الذين ظلموهم بدعاء حسبنا الله ونعم الوكيل على موقع الفيس بوك. يحاول نفر من الطلاب إرهابنا برفع شكواهم إلى الله، ولم لا، فقد صار الدين هو السلاح الذى يشهره الكل فى وجه الكل. يحتاج المرء منا أن يمسك رأسه بين يديه وهو يسمع عبارة «حرام عليك» من طالب أهان المحَاضَرة فطرده الأستاذ، أو مارس الغش بالمحمول فألغى المراقب امتحانه، أو تذاكى وملأ كراسة الإجابة بكلام غث فرسب، فمن أين أتى أبناؤنا بتلك المعايير الخاصة جدا للتمييز بين الحلال والحرام حتى صار حلالنا حراما لهم وحرامنا يستحلونه ببساطة؟

اختَلفَت كثيرا علاقة الطالب بأستاذه، الآن صار يعتبر الطالب نفسه فى موقع يمكنه من التقييم السليم، ومؤهل لأن يحكم على صواب إجابته أو خطئها، يجادلك فى أن عشرين ربيعا من عمره تكفى وتزيد ليعرف الصح من الغلط ومعه حق، فهو يعتبر أن الفارق بين عمره وعمر أستاذه مجرد سنوات تكر، فلا خبرة تضاف ولا نضج يكتسب. يسألك أحدهم فى تجاوز غير مقبول: هل يكمن العيب فينا أم فى أساتذتنا؟ أصبح النجاح بل والنجاح الساحق حقا مكتسبا للطالب، وتحول الأستاذ إلى ما يشبه الحكم فى مباريات كرة القدم بين أندية الدرجة الثالثة، كلما أخفق لاعبوها فى هز الشباك وتسديد الهدف أفلتت أعصابهم وانفعلوا على الحكم. لا يتحلى طلابنا بالروح الرياضية، مع أن هناك من يعتبر أن احتجاجهم فيه ممارسة للديمقراطية، أما هى فإنها ترى غير ذلك، إذ ليس من المنطقى أن نرفض التسعات الثلاثة، 999% فى نتائجنا الانتخابية ونتمسك بها فى اختباراتنا العلمية، إلا إن كنا نكيل بمكيالين أو كنا غير ديمقراطيين.

هى لا تذكر مرة واحدة احتجت فيها على نتيجتها، أُحبطت نعم، خاب توقعها نعم، لكنها أبدا لم تحتج. ربما تكون قد فكرت ذات مرة أن تفعل عندما حصلت على جيد فقط فى المادة التى كانت تحلم بأن تتخصص فيها، وكانت تستعد لها استعدادا يتناسب مع كون هذه المادة مشروعا للمستقبل وليست مجرد إجابة. لكنها لم تفعل، قالت لنفسها لعلى قصـرت، فالأستاذ يعرف أكثر ويحكم أفضل ويزن بميزان لا يميل. فهل صار الطلاب أقل ثقة فى أساتذتهم أم صاروا أكثر اغترارا بقدراتهم؟.. الأرجح أن الإجابة مزيج بين الاثنين فليس كل الأساتذة عدولا، لأنه لا يمكن لكل البشر أن يكونوا أخيارا، لكن فى الوقت نفسه لا يتصور أننا نعيش فى مجتمع أفذاذ نتيجته المعلنة لا يرسب فيها أحد، فالعكس هو الصحيح، لدينا فائض فى الدرجات وتدهور فى المستوى.

هل تعد الامتحانات الوسيلة الوحيدة لتقييم مستوى الطلاب؟ قولا واحدا لا، خصوصا فى ظل النظام الحالى الذى يقسم العام إلى قسمين، والقسم إلى جزءين، بحيث تعقد الامتحانات بعد كل جزء وفى نهاية كل قسم، ويؤدى الطالب الامتحان فى المادة الواحدة مرتين، وفى غضون مدى زمنى يقل عن ثلاثة أشهر يربكها شهر رمضان سواء جاء فى أول الترم أو منتصفه أو نهايته. تحولت الامتحانات بفعل هذا النظام إلى هدف فى حد ذاته، وليست وسيلة لتحقيق هدف، وبدلا من أن ينصرف الطلاب المشاغبون عن العمل السياسى وينشغلون بمتوالية الامتحانات كما خطط لذلك مصممو نظام التِرمات، استمر الطلاب المسيسون فى تظاهرهم واعتصامهم واحتجاجهم ولم ينشغل بالامتحانات إلا الطلاب المسالمون غير المسيسين.

إن المعرفة ليست كتابا يقرأ، لكنها استعداد للقراءة، ومع ذلك يستميت الطلاب فى الدفاع عن درجة واحدة أو اثنتين ويبتكرون تقديرا لا وجود له إلا فى خيالهم، تقدير اسمه جيد مرتفع، يحاولون به أن يقطعوا الصلة مع ذوى المستوى المتوسط أى الجيد ويقتربوا من النابهين أصحاب المستوى المرتفع أى الجيد جدا. ومع التسليم بأن الامتحانات ليست الوسيلة الوحيدة ولا حتى المثلى للتقييم لكن كلما تضخم عدد الطلاب، وهو آخذ فى التضخم، زاد الاعتماد عليها أكثر فأكثر. فلا وقت للاحتكاك الشخصى بين الأستاذ والطالب، ولا حَيز لاختبار قدرات الطالب بعرض شفهى أو نموذج محاكاة أو ديالوج، ففى مناخ لا يجد فيه الطالب مقعدا يجلس فيه ويتحرك الأستاذ بصعوبة شديدة وظهره إلى الحائط.

ومع ذلك، فإن عيوب نظام الامتحانات شىء والإصرار على اجتياز الكل لها بامتياز شىء آخر تماما، فعندما تغيب المفاضلة بين مستويات الطلاب تنتفى الحاجة ابتداء للمفاضلة.

طلابنا الأعزاء: هونوا على أنفسكم، فليس هكذا يورد التفوق ولا حتى النجاح، وبدلا من أن تقولوا حسبنا الله ونعم الوكيل، جربوا أن تنظروا للأمر نظرة مختلفة، نظرة تتعامل بجدية مع العملية التعليمية وليس بفهلوة، ومع الأستاذ باحترام وليس بندية، فدعاءُُ بغير حق ولغير صاحب مظلمة هو دعاء لا يخترق طبقات السماء.

نيفين مسعد أستاذة بكليّة الاقتصاد والعلوم السياسيّة جامعة القاهرة. عضو حاليّ فى المجلس القوميّ لحقوق الإنسان. شغلت سابقاً منصب وكيلة معهد البحوث والدراسات العربيّة ثمّ مديرته. وهي أيضاً عضو سابق فى المجلس القوميّ للمرأة. حائزة على درجتي الماجستير والدكتوراه من كليّة الاقتصاد والعلوم السياسيّة – جامعة القاهرة، ومتخصّصة فى فرع السياسة المقارنة وبشكلٍ أخصّ في النظم السياسيّة العربيّة. عضو اللجنة التنفيذية ومجلس أمناء مركز دراسات الوحدة العربية ببيروت. عضو لجنة الاقتصاد والعلوم السياسية بالمجلس الأعلى للثقافة. عضو الهيئة الاستشارية بمجلات المستقبل العربي والسياسة الدولية والديمقراطية
التعليقات