فى حلقة الأربعاء 29 يونيو الماضى من برنامج «ماذا بعد؟» الذى يقدمه المذيع عمرو ناصف على قناة المنار، جرت مناقشة الأحداث الجارية فى سوريا مع ضيف الحلقة أنيس نقاش منسق شبكة أمان للدراسات. أهمية الحلقة لا تنبع فقط من أن قناة المنار هى لسان حزب الله الذى يحظى باحترام قطاع واسع من الجمهور العربى، ولا من العلاقة الوطيدة بين حزب الله وإيران صاحبة النفوذ فى لبنان والعراق والخليج وغزة وما يستجد من ساحات، لكن أهميتها أيضا تنبع من خطورة الطرح السياسى الذى أتت به.
كلنا يعلم أن الانتفاضة السورية ينقسم إزاءها المحللون السياسيون العرب ما بين القائلين بدوافعها الداخلية كجزء من زحف الربيع العربى على الأقطار العربية قطرا قطرا، والقائلين بنظرية المؤامرة التى تستهدف سوريا كدولة ممانعة وكحليف استراتيجى لإيران. نعلم هذا الاختلاف فى زاوية التحليل ونلاحظه أما ما دار من نقاش فى حلقة المنار فقد أثار السؤال التالى بشكل غير مباشر: فى كل الحراك الذى شهدته ساحات مصر وتونس وليبيا واليمن وسوريا هل كانت الشعوب العربية تريد تغيير نظمها أم إصلاحها؟ غاب نموذج البحرين عن الأمثلة السابقة لأسباب مفهومة، وتصدى ضيف الحلقة لعرض وجهة نظره على النحو التالى.
<<<
رأى أنيس نقاش أنه ما من شك فى أن الشعوب العربية انتفضت لأسباب داخلية مركبة، لكن سقوف انتفاضاتها لم تتجاوز إصلاح النظم القائمة عبر حزمة من التدابير السياسية والاقتصادية الناجعة، أما إسقاط حكامها فكان بفعل آخرين. فى تونس، أوعزت فرنسا لزين العابدين بن على باصطحاب أسرته لمدينة النور والاطمئنان عليها ثم العودة لبلاده، لكن الرجل فوجئ وهو فى علياء السماء بأن وجهة الطائرة هى الرياض لا باريس فذهب ولم يعد. وفى ليبيا جرى ترويج إشاعة كاذبة مؤادها أن الطيران اللبيى قصف الثوار بشراسة، وكانت تلك الشائعة هى السبب فى صدور قرار مجلس الأمن الدولى بفرض حظر جوى على ليبيا، ثم ما لبث أن دخل حلف شمال الأطلسى على الخط. ومن أجل كسب إيطاليا التى كانت تربطها علاقة وثيقة بنظام القذافى، ودفعها لدعم قرار مجلس الأمن سُرّب إليها خبر مؤاده أن الثوار على وشك تصفية الأخ العقيد وبالتالى فلا معنى للرهان على جواد خاسر. وفى اليمن أُطلق صاروخ على الرئيس على عبدالله صالح من طائرة أمريكية بدون طيار فأصابه مباشرة وألجأه للاحتجاب عن الأنظار، وباتت عودته من الرياض موضع شك كبير. وفى سوريا تمت « فبركة» الصور التى تشهد بفظائع ارتكبها نظام بشار الأسد ضد الثوار، وأغفلت القنوات الفضائية المظاهرات الحاشدة التى لبى الرئيس السورى مطالبها فى الإصلاح فخرجت له مؤيدة. لكن النظام السورى لن يسقط فجيشه لم ينقسم وشعبه لم يفُتتن طائفيا وشعبيته لم ينل منها المغرضون. أما فى مصر فاكتفى المتحدث بالقول إن الأمر لا يعدو كونه انقلابا عسكريا التفت حوله الجماهير.
لن أناقش التفسيرات الخاصة جدا التى طرحها أنيس نقاش لمسار الأحداث فى الدول التى استنشقت نسائم الربيع العربى مع أنها كانت على قدرٍ وافرٍ من السذاجة كما فى الرواية التونسية ولا صلة لها بالواقع كما فى الرواية المصرية. إلا أننى سأتوقف عند الرسالة الخطيرة التى بعث بها نقاش وكثيرون غيره ومفادها أن الشعوب العربية كانت ستقنع بالإصلاح إلا أن التدخلات الخارجية حرفت اتجاهها وأنشأت فراغا فى أكثر من قطر عربى فى إطار السعى لنشر الفوضى الخلاقة. وعلى هذه الرسالة أسجل الملاحظات التالية :
<<<
1- لا خلاف على أن هناك دورا ما للعوامل الخارجية فى محاولة التأثير على وجهة الثورات العربية بحكم الأهمية القصوى للمنطقة.لكن ليس من الصحيح أن التأثير الخارجى انصب على محاولة تغيير الحكام العرب بدليل أن فرنسا راهنت على بن على حتى آخر لحظة وعندما ثبت خطأ رهانها أقالت مسئولة سياستها الخارجية، وفى مصر تذبذب موقف الإدارة الأمريكية من حسنى مبارك من الدفاع عنه إلى طرح فكرة التنحى الفورى إلى التراجع عن هذا الطرح. وفى اليمن دافعت الإدارة الأمريكية عن المبادرة الخليجية التى كانت تسمح « بخروج آمن» للرئيس وبترتيب أوضاع البيت اليمنى قبل الخروج لكن صالح هو الذى أبى من خلال مماحكات ليس هذا موضع تفصيلها. أكثر من ذلك لا أحد بوسعه التدليل على أن الاتحاد الأوروبى حزم أمره فى اتجاه إطاحة بشار الأسد لأن فرض العقوبات المتتالية على رجال النظام وحلفائه الإقليميين وعلى بشار نفسه مع كل الخبرات السابقة عن محدودية تأثير سياسة العقوبات، يفيد التعامل مع بشار حتى إشعار آخر. وفى ليبيا لا تحظى عمليات حلف شمال الأطلسى باتفاق عام.
2- إن اختزال «العوامل الخارجية» فى تلك المرتبطة بالولايات المتحدة والاتحاد الأوروبى فيه اجتزاء واضح، فروسيا والصين دافعتا عن النظام الليبى وتدافعان عن النظام السورى، ثم ماذا عن موقف إسرائيل التى كان يمثل لها الرئيس المصرى المخلوع «كنزا استراتيجيا»؟، وكما أن للغرب خياراته فإن للقوى الإقليمية أيضا خياراتها فإيران رحبت بإطاحة مبارك وبن على وتؤيد بكل قوة إسقاط حكم آل خليفة لكنها فى حالة سوريا تصنف مع الصين وروسيا فى مربع واحد.
3- المتابع لتطور مسار الثورات العربية والانتفاضات العربية يجدها بدأت بتبنى مطلب الإصلاح الشامل، لكنها بالتدريج رفعت سقف مطالبها إلى مستوى إسقاط النظم بعد أن أدركت أن الحكام العرب لا هم يملكون الرغبة ولا حتى القدرة على إحداث الإصلاح. فأقصى ما وعد به حكام تونس ومصر واليمن هو عدم الترشح لفترة رئاسية جديدة، وأقصى ما وعد به الرئيس السورى هو إطلاق التعددية الحزبية، وأقصى ما دعا إليه ملك البحرين هو الحوار مع المعارضة، أما ليبيا فاستخدم سيف الإسلام المصطلح الفضفاض «الإصلاح السياسى». وفى غضون ذلك لم يتورع الحكام العرب عن اتهام شعوبهم بالتآمر والدس وسبهم بأوصاف كالجرذان والجراثيم، فكان لا بد أن يعلو صوت الدعوة لإسقاط النظام.
إن الانسياق وراء تحليل أنيس نقاش يعنى أن الشعوب العربية ترضى بسياسات الحد الأدنى، ويعنى أن الحكام العرب جادون فى الإصلاح، وفى هذا استخفاف بقدرة تلك الشعوب على الاحتشاد والضغط والتغيير حفظا لكرامتها، وتجاهل لمراوغة هؤلاء الحكام فى تنفيذ إصلاح يكونون هم أول ضحاياه لأنه ببساطة يكشف حجم فسادهم، وهو مهول.
لقد انتقلت الشعوب سريعا من طلب الإصلاح بواسطة النظم إلى طلب إسقاط تلك النظم، وقد تكون إراداتها تلاقت مع مصالح غربية وإقليمية فى مرحلة معينة لكن الخارج أبدا لم ينتزع من تلك الشعوب زمام المبادرة.
4- كلمة أخيرة لكل من يقدر الدور القومى للنظام السورى، وأنا واحدة منهم، كفوا عن تخوبن المعارضة السورية ولا تضعوا أنصار العروبة وخصوم إسرائيل فى خيار عسير بين الاستبداد والاحتلال، فلقد قطع الفكر القومى العربى طريقا طويلا ووعرا من أجل أن يقبل بالتعددية السياسية وينفتح على الديمقراطية، وليس معقولا أن تأتوا اليوم لتعيدوا هذا الفكر القهقرى بالدفاع المستميت عن سياسات النظام السورى فى قمع المعارضة من منطلق قومى، فمواجهة الصهيونية والتحول الديمقراطى فى سوريا ليسا أبدا على طرفى نقيض.