لن تجد قوى السلطة المصرية صعوبة كبيرة فى تنفيذ إرادة الشعب المصرى الداعية إلى إنهاء اعتصام الإخوان المسلمين فى بعض ميادين العاصمة والمدن الأخرى. وقد أكدت وزارة الداخلية هذا المعنى فى ندائها المتكرر إلى المعتصمين بأنها لن تعرض من ينسحبون من الاعتصام طوعا لأى عقوبة. واصبح متوقعا بين يوم وآخر أن تنفذ الداخلية هذا الإجراء. بل إن من المحتمل أن تكون قد نفذته بالفعل فيما بين كتابة هذه السطور ونشرها.
عندما تنفذ الداخلية المصرية هذا الإجراء، وهى قادرة على ذلك بلا أدنى شك، ستكون مشكلة الإخوان المسلمين فى داخل مصر قد انتهت ويكون بإمكان السلطة أن تتفرغ لدراسة وإيجاد الحلول للمشكلات الأخرى العديدة التى تواجه مصر نتيجة لأحداث الصراع مع هيمنة الإخوان المسلمين وفشلهم الذريع فى تحقيق أية نتائج ايجابية إزاء مشكلات السياسة أو الاقتصاد ومشكلات المجتمع. هذا فضلا عن ضرورة عودة السلطة المصرية ــ بعد الانتهاء من مشكلة الإخوان المسلمين فى داخل مصر ــ إلى التوغل فى بحث وتنفيذ سبل تحقيق أهداف ثورة 25 يناير 2011. وقد ظهرت دلائل على أن السلطة المصرية الحالية مقتنعة بأهمية وضرورة الاستعانة مباشرة بالشباب الثوريين فى مسعاها لتحقيق اهداف الثورة. وإن كان يبدو من هذه الدلائل نفسها أن حكومة الببلاوى لم تسع نحو قدر كاف من الاستعانة بالشباب المصريين.
لكن يبقى أن يكون واضحا إن التحدى الإخوانى لن ينتهى تماما عند حدود التصفية السياسية الداخلية، حتى وإن كنا مقتنعين بأن التحدى الإخوانى فى صيغته الداخلية هو الاخطر والاجدر بالتحرك لوضع نهاية فعلية له. ذلك لأن التحدى الإخوانى له بعد خارجى واسع ومؤثر. واذا كنا لا نشك فى أن البعد الخارجى للإخوان المسلمين المتمثل فى تنظيمهم الدولى سيتأثر بإزالة البعد الداخلى فى مصر بما سببه من خسائر، إلا اننا لابد ان ندرك إن التحدى الذى يمثله البعد الخارجى للإخوان المسلمين يتطلب قدرا كبيرا من اليقظة ثم قدرا كبيرا أيضا من المقاومة. ذلك لأن البعد الخارجى للإخوان استمد من التحدى الداخلى الإخوانى فى مصر ــ كما استمد من تطورات المنطقة، خاصة فى ليبيا وسوريا وتركيا ــ قدرة على الظهور العلنى والتحدى فى مواجهة القوى التى تناوئه.
●●●
أهم من هذا أن قوى خارجية وجدت فوائد لها فى دعم اتصالاتها بالتنظيم الدولى للإخوان المسلمين. وهو ما يتضح فى مواقف الولايات المتحدة ومواقف الاتحاد الاوروبى ودوله الاعضاء. لقد نشطت هذه الدول إلى اقصى حد مستطاع لها فى محاولة تمكين تنظيم الإخوان المسلمين فى مصر وذهبت فى ذلك إلى حد التدخل فى الشأن المصرى الداخلى بالمطالبة بالإفراج عن محمد مرسى. وحاولت ــ خاصة أوروبا ــ ان تمارس نفوذا على مصر ممثلة فى حكومتها وممثلة ايضا فى جيشها. وسعت فى هذا المجال إلى التأثير على قرارات السلطة المصرية بشأن الإخوان المسلمين. وعندما تبين لأوروبا أنه لا مجال امامها لفرض قرارات تتعلق بالإخوان المسلمين على مصر المدنية أو العسكرية فإنها برهنت على استعداد واضح للتراجع، وتراجعت بالفعل مكتفية بالاطمئنان إلى حالة مرسى والى معاملته فى سجنه حيث مكنت السيدة أشتون من زيارته حيث يحتجز. وعلى اثر ذلك حضر نائب وزير الخارجية الأمريكى بيرنز إلى القاهرة.
وليس هنا مجال للشك فى أن تنظيم الإخوان المسلمين الدولى هو الذى بذل اقصى الجهد لدفع أمريكا والاتحاد الأوروبى إلى القيام بهذه الجهود. وقد اصيب بخيبة أمل عميقة لانتهاء هذه الجهود إلى فشل تام. لكن هذا لا يعنى أن الإخوان المسلمين الدوليين سيعودون إلى حالة الصمت السابقة التى كانت تطبق عليهم قبل احداث الثورة المصرية. لقد وجد التنظيم الدولى للإخوان المسلمين فرصة لتوسيع مجال اتصالاته الخارجية موازية للفرصة التى وجدتها الولايات المتحدة واوروبا لإقامة علاقات اوثق وانشط مع هذا التنظيم. ولابد بالتالى من توقع تنسيق بين هذه الاطراف لمصلحة تنظيم الإخوان المسلمين فى مصر. وسيحاول الطرفان تحقيق ما يمكن تحقيقه من مكاسب تتعلق بمحاكمات الإخوان المصريين، سواء من حيث مراقبتها أو من حيث التأثير فى نتائجها أى فى الاحكام التى تصدر بحق المتهمين من الإخوان المسلمين.
كذلك ينبغى أن لا يغيب عن أذهاننا أن التنظيم الدولى للإخوان سينشط فى مجال البحث عن وسائل لتهريب القادة الإخوان المصريين إلى الخارج ليجد لهم مكانا فى أى من الدول الاوروبية أو أمريكا. وهناك يمكنهم أن يلعبوا الدور نفسه الذى حاولوا أن يلعبوه بصوت عال فى مصر فى مرحلة احتمائهم بالاعتصامات الإخوانية فى القاهرة.
●●●
ستبقى مصر هدفا للتنظيم الدولى للإخوان المسلمين وهدفا لدول الاتحاد الاوروبى وأمريكا طالما شعرت هذه الدول أن بإمكانها استخدام «المعارضة الإخوانية» واجهة وأداة للضغط على مصر. وقد تطول فترة نشاط التنظيم الدولى للإخوان ضد مصر، ولكن قدرة مصر على تحدى هذا النشاط الخارجى ستؤكد قدرتها على السير فى طريق استقلال قرارها كما أكدت قدرتها على إلحاق الهزيمة الداخلية بتنظيم الإخوان المسلمين.
كاتب صحفى