جوستاف لوبون أكاديمى فرنسى كتب منذ نحو مائة عام (بالتحديد فى عام 1912) دراسة بعنوان «سيكولوجية الثورة». ولا تزال هذه الدراسة تحتفظ بمكانتها كواحدة من أهم الدراسات فى موضوعها.
كانت للوبون عبارة (خارج إطار هذه الدراسة) يشبه فيها الثورة بلوحة زيتية تصور الطبيعة، تبدو من بعيد جميلة ودقيقة وأقرب ما تكون إلى الواقع الطبيعى، أما من قريب فإنها تكشف للناظر عن ضربات الفرشاة وعيوب الفروق بين المنظر الطبيعى والمنظر المرسوم فى محاولته تقليد الواقع.
ويكاد المرء إذا حاول ان يختبر صدق هذا التشبيه أن يصدقه.
فإن رؤية مشاهد الثورة عن قرب ــ بما فى ذلك جماهيرها ومبادئها ومطالبها والقوى الفاعلة فيها والقوى المؤيدة لها ــ لا تلبث أن تكشف عن جوانب عيوب وقصور وارتدادات وترددات تشبه إلى حد كبير ما تعكسه حركة الفرشاة على القماش فى حالة اللوحة الزيتية.. بينما تبدو مشاهد الثورة من بعيد جميلة ودقيقة ومعبرة عن فورتها وقوتها وقدرتها وتماسك مكوناتها ومواقفها وتماسك جماهيرها.
وليست ثورة 25 يناير المصرية استثناء من ذلك.
مع ذلك فإن عبارة لوبون ليست صادقة ــ بالأحرى ليست دقيقة مائة بالمائة ــ خاصة إذا أخذنا بعين الاعتبار أن الثورة ليست ظاهرة ساكنة أو ثابتة، إنما هى فى الحقيقة ظاهرة حركية ديناميكية لا يعبر عنها مشهد ثابت واحد. وفضلا عن ذلك فإن مسالة البعد والقرب ليست مكانية فحسب إنما هى مكانية وزمانية أيضا. فإذا نظرنا إلى الثورة المصرية فى لحظة ضغطها الأقصى يوم 11 فبراير 2011 فإنها تبدو فى حالة قصوى من القوة والتماسك والإصرار وتحديد الهدف. أما إذا نظرنا إليها اليوم بعد انقضاء أكثر من ستة أشهر من التطورات والانتكاسات والصراعات ومحاولات العودة إلى حالة التماسك والحركية والتمسك بالأهداف فى مواجهة التغيرات المتلاحقة داخليا وخارجيا، فإننا نرى صورتين مختلفتين إلى حد قد نتساءل إزاءه: أين هى ثورة 25 يناير؟ أين الشباب الذى أدى دور الطليعة الثورية منذ اليوم الأول إلى يوم التصدى لقوى السلطة فى «موقعة الجمل» حتى يوم سقوط الرمز الأعلى لهذه السلطة فى 11 فبراير.
بل إن معايير القرب والبعد ليست قصيرة الى الحد الذى تصوره لوبون وهو يقارن بين اللوحة الزيتية للثورة عن قرب ومن بعيد. فإن الأجدر بنا أن نتساءل عن وضوح الرؤية فى حالة ما إذا نظرنا إلى ثورة مصر من ميدان التحرير أو أى ميدان فى مدن مصر وفى حالة ما إذا نظرنا إليها من شارع وول ستريت فى نيويورك (حيث تقع سوق الأوراق المالية وحيث حى المال والأعمال) أو من شارع بنسلفانيا فى واشنطن (حيث يقع البيت الأبيض من طرف والكونجرس من الطرف الآخر للشارع نفسه). هل يمكن الزعم هنا بأن الثورة المصرية تبدو أجمل وأكمل وأدق مما تبدو عن قرب فى ميادين القاهرة أو الإسكندرية؟
الأمر المؤكد هنا أن لوحة الثورة المصرية ليست صورة ثابتة وليس القرب والبعد هو مصدر الاختلاف فى رؤيتها. إنما تطور الأحداث معها وحولها وإلى أين يدفعها يمينا أو يسارا. وعلى سبيل المثال فإن الجماعات الإسلامية المصرية تبدو الآن بعد ما انقضى من وقت جبهة واسعة فى حجمها وافقها والدور الذى تعد نفسها له فى تطورات الثورة خاصة بعد أن تنقضى الفترة الانتقالية وبالأخص النتائج التى يمكن أن تسفر عن وقوعها نتائج الانتخابات العامة سواء اشتملت على مجلس الشعب ومجلس الشورى أو اقتصرت على الأول منهما. وقبل ذلك ــ وخاصة فى الأيام الأولى لثورة 25 يناير لم تكن الجماعات الإسلامية موجودة فى إطار الصورة، وبالتالى لم يكن لها دور. وينطبق هذا أيضا على الأحزاب السياسية القديم منها والجديد.
بل إن مشهد الثورة المصرية بعد أحداث إيلات/سيناء الأخيرة التى فجرت أول تحد فى مجال السياسة الخارجية تواجهه الثورة يبدو مختلفا اختلافا كليا عن مشاهد 25 يناير و11 فبراير ومشهد الرئيس المخلوع حسنى مبارك مستلقيا على سرير داخل قفص حديدى فى بداية محاكمته. لقد بدا أن قسما صغيرا من الثورة استطاع أن يتجاوز محاذير رمضان وأن يتظاهر بكل القوة والانفعال أمام السفارة الإسرائيلية فى القاهرة مطالبا بقطع العلاقات الدبلوماسية مع إسرائيل واتمام الخطوات العقابية ضدها على قتل العسكريين المصريين الخمسة فى سيناء بإلغاء معاهدة كامب ديفيد التى عقدت بين مصر وإسرائيل فى عام 1979 ولم تكن فى أى وقت منذ توقيعها موضوع مطالبة بالإلغاء أو حتى التعديل.
وقد عبرت صحيفة «نيويورك تايمز» الأمريكية عن هذا المشهد الجزئى قائلة: «أيها الإسرائيليون.. هذه مصر ما بعد الثورة». وقالت صحيفة «لوس أنجلوس تايمز»: «الديمقراطية تخلق حقائق جديدة فى المنطقة». ولكن هذا النوع من التعليقات ــ وإن كان قد عبر تعبيرا موضوعيا عن معنى المظاهرات المصرية ضد إسرائيل إلا أنه يتضح منه أن المراقبين الأمريكيين لم يحاولوا أن يتصوروا كيف كان يمكن لرد الفعل المصرى ان يكون لو أن أحداث سيناء والعدوان الإسرائيلى فيها تمت فى وقت كانت فيه ثورة مصر فى ذروة وجودها وتأثيرها. كيف كان يمكن أن يكون موقف المجلس الأعلى للقوات المسلحة صاحب القرار والسلطة فى الوقت الراهن؟ أو ــ على الأقل كيف كان يمكن أن يكون موقف الحكومة المصرية ووزارة الخارجية تحديدا؟
كان من المؤكد أن تؤدى الثورة دورا أكثر جرأة وإقداما وتأثيرا لا تستطيع السلطة امامه ان تعطى وزنا اكبر للموقف الامريكى الضاغط لابقاء العلاقات والمعاهدة مع اسرائيل. بالأحرى ما كانت السلطة قد ترددت او «وقعت فى ورطة «أو» أصابها التخبط»، وهو الوصف الذى رأته صحف مصرية عديدة لموقف السلطة .
وصحيح ان القوى السياسية المصرية ــ بما فيها الاحزاب السياسية والمنظمات المدنية، عدا استثناءات قليلة فى العدد ولكنها كبيرة فى الحجم ــ لم تتردد فى التعبير عن تأييدها القوى والفورى لمطالب الجماهير المتظاهرة. ولكن الحقيقة ايضا ان السلطة ــ فى حالة اختباء الثورة ــ لم تقم وزنا مؤثرا لمواقف القوى السياسية. والنتيجة ان الساحة المصرية ــ فى غياب ميدان التحرير وكل ميادين التحرير الاخرى ــ لم تشهد الثورة عن قرب او من بعيد.
والسؤال الملح الآن هو اذا كانت الثورة ــ ثورة 25 يناير كما عرفناها ولمسنا انطلاقتها وقوتها وقدرتها ــ تتهيأ للعودة الى ساحاتها بتكتل جموعها وعنفوانها كما كانت فى السابق،عندما كانت تهدف الى اسقاط النظام وحققت هدفها بالحد الادنى الممكن من التضحيات وبالحد الادنى الممكن من الخسائر؟
لن يكون الاعتداء الإسرائيلى الذى وقع فى سيناء الاختبار الأخير لمصر الثورة، سواء فى مجال السياسة الخارجية أو الداخلية. إن الثورة المصرية تواجه من التحديات ما هو بقدر أهدافها الأولى المعلنة والتى لم يتحقق منها تقريبا إلا إسقاط النظام القديم من الحكم.
لا تزال أهداف العدالة الاجتماعية وأهداف الدور المصرى القومى والإقليمى بعيدة.. أو هى تبدو للعين القريبة ــ إذا عدنا إلى تشبيه لوبون ــ مشوشة تفتقر إلى الوضوح والدقة. أما العيون البعيدة فليس بينها ما يمكن اعتباره محايدا إزاء هذه الثورة وأهدافها وبالتالى قادرا على ان يراها ــ بدوره ــ بوضوح وبدقة.