بين حقوق الإنسان والأمن القومى - سمير كرم - بوابة الشروق
الجمعة 4 أبريل 2025 7:20 م القاهرة

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تتوقع نجاح اتفاق الهدنة في غزة؟

بين حقوق الإنسان والأمن القومى

نشر فى : الجمعة 7 نوفمبر 2014 - 8:35 ص | آخر تحديث : الجمعة 7 نوفمبر 2014 - 8:35 ص

دخلت مصر معركة ضارية من أجل تأكيد حقوقها فى مجال السياسة الخارجية. بمعنى أن مصر تخوض معركة تحديد القوى التى تقف معها والقوى التى تقف ضدها فى مجال السياسة الخارجية. ولا يختلف هذا كثيرا عن معركة تأكيد السيادة المصرية على قراراتها المتعلقة بالسياسة الخارجية. وإذا تكررت معنا عبارة السياسة الخارجية، فلا يعنى هذا أن لا دخل أبدا بالسياسة الداخلية بهذا الموضوع.

على العكس من ذلك تماما فإن السيادة على السياسة الخارجية لأى دولة هى المؤشر الأول على تحرر السياسة الداخلية من أى سيطرة خارجية يمكن أن تفرضها دولة خارجية على هذا البلد أو ذاك. والوضع الذى تجد مصر نفسها فيه الآن يؤكد أن سياستنا الخارجية هى المؤشر الأول إلى استقلال سياسة مصر الداخلية عن الضغوط الخارجية التى تسعى لفرض أوضاع وشروط على الداخل المصرى. وعلى سبيل المثال فإن الحالة التى تجد مصر نفسها فيها منذ بداية ثورة 25 يناير 2011 حالة يتصاعد فيها التدخل الخارجى على السياسة الداخلية المصرية باستعمال السياسة الخارجية ووسائلها لتأكيد تبعية مصر لقوى خارجية. ويمكن أن نلمح فى هذه القوى الخارجية التى تضغط على مصر الآن لتحديد سياسة داخلية مصرية تؤدى بطبيعتها إلى تأكيد هيمنة خارجية من هذه الدولة أو تلك، من هذا التحالف أو ذاك، من هذا التكتل أو غيره من تحالفات، لإحكام السيطرة على سياسة مصر الخارجية عن طريق تأكيد دور خارجى فى السياسة المصرية، الداخلى منها والخارجى.

•••

خلال حكم السلطة السابقة ــ أى تلك التى كانت تحكم مصر قبل هيمنة الإخوان ــ كان من الواضح أن الولايات المتحدة أفلحت فى فرض سياساتها على قرارات مصر وتحركاتها. وقد شمل هذا القرارات والتحركات الداخلية والخارجية. واضطرت مصر خلال نصف الفترة التى استغرقها حكم النظام الحاكم السابق ــ على الأقل ــ أن تتنازل تماما أو كثيرا عن مكانتها العربية والأفريقية والعالمية بشكل عام. وفى تلك الأثناء تمكنت دول أو إمارات صغيرة من فرض سيطرتها على الواقع الإقليمى الذى كانت مصر تمارس فيه دورا مسيطرا. فى تلك الأثناء أصبحت مصر فى حالة انزواء تطلب المساعدة من هذه الامارة البترولية أو تلك. وأصبحت مصر داخل هذا الانزواء عاجزة عن إظهار مكانتها القومية أو الإقليمية. فلقد تحكمت فى خطواتها واتجاه السير بهذه الخطوات دول وقوى غنية بتروليا تخضع بدورها لدول أكثر ثراء وأقوى عسكريا، مثل الولايات المتحدة. ومعنى هذا أن مصر أصبحت فى تلك السنوات خاضعة لإمارات النفط الغنية الصغيرة التى تفتقد إلى القوة العسكرية، وأصبحت فى الوقت نفسه خاضعة لقرارات وسياسات دول كبيرة وقوية وغنية مثل الولايات المتحدة ايضا. ومعنى هذا أن مصر خضعت خلال تلك السنوات لمستويين من السيطرة الخارجية.

•••

والأمر الذى لا شك فيه هو أن الثورة التى اجتاحت مصر جماهيريا جاءت كثورة مناهضة لهذا الخضوع. وتمكنت هذه الثورة من بداياتها الأولى أن تبرهن على جدية موقفها ضد الهيمنة الخارجية ذات المستويين التى تحكمت بمصر. وازدادت جدية الموقف الجماهيرى المصرى ضد السيطرة الخارجية عندما حدد الجيش المصرى موقفه مع هذه الثورة، وليس ضدها كما تمنت كل القوى الخارجية التى كانت تريد أن تحول مصر إلى وضع لا يختلف فى مضمونه وحتى فى شكله، وضع لا يختلف عن أوضاع ليبيا وسوريا والعراق. وهى أوضاع سيطرت عليها التدخلات الخارجية سواء بمعنى التدخلات الخارجية من جانب قوى زحفت بالآلاف إلى داخل هذه البلدان لتحويل ثورتها لمصلحة الإخوان وبدورها لمصلحة القوى الخارجية الآتية من دول استطاعت التنظيمات الإخوانية والشبيهة بها أن تغزو هذه البلدان بقوتها البشرية واسلحتها الثقيلة والخفيفة. وكان من الواضح أن هذه القوى الخارجية أرادت أن تمهد لغزو خارجى اكبر منها وأقوى.

لم تستطع القوى الخارجية أن تفعل بمصر ما فعلته بسوريا والعراق واليمن. وكانت البداية لهذا الموقف المصرى المختلف هى انضمام الجيش المصرى إلى صفوف الثورة وإعلان تصديه للنفوذ الخارجى أيا كان. من وقتها والقوى الخارجية فى حالة ارتباك لأنها كانت تظن أن الجيش المصرى سيتخذ موقفا لا يختلف عن مواقف الجيوش فى الدول العربية التى اجتاحتها القوى الآتية من الخارج لتتحالف مع الثوريين الآتين من الخارج. أدى اختلاف موقف الجيش المصرى والتحامه بالقوى الثورية الجماهيرية إلى تمكين الثورة المصرية من أن تسيطر على الوضع المصرى والى أن يعمل لها الف حساب وحساب فى تطورات الاوضاع فى البلدان المحيطة بمصر. وقد ادى الموقف المصرى بقيادة الجيش إلى تقوية مواقف الجيوش العربية فى البلدان الاخرى التى اجتاحتها «الثورة» كما اجتاحتها القوى الخارجية المنتمية إلى تنظيمات تتخذ التوجه الدينى اساسا لادعاءاتها بأنها تمثل ثورة. وهكذا اصبح من الواضح أن انهيار سوريا كما تصورته القوى الإخوانية ومثيلاتها ليس بالسهولة، التى تمنتها القوى الخارجية الصغيرة والكبيرة. وما ينطبق على سوريا ينطبق أيضا على العراق وبالمثل على ليبيا واليمن. وما يمكن أن ينطبق على أى دولة عربية أخرى تنضم إلى أحداث مماثلة.

•••

إن مصر وجدت فى تجربة تونس ما يؤكد صحة اتجاهها. وبالقدر نفسه وجدت تونس فى الموقف المصرى الثابت والقوى ما يؤكد صحة اتجاهها نحو انتخابات عامة لم يستطع الإخوان السيطرة عليها. بل لقد اضطر الإخوان إلى الاعتراف بهزيمتهم فى تونس والاعتراف الضمنى أيضا بأن أحداث مصر وتونس أكدت أن مقاومة التيار الإخوانى ممكنة، بل أكدت أيضا أن التيار الإخوانى فى المنطقة العربية يتراجع بعد أن كان يتقدم.

إن دعوة مصر لوقوف العالم كافة معها فى حربها ضد الإرهاب هى دعوة صحيحة وقادرة. وهذا هو الاتجاه الذى اتخذته مصر رسميا وهذه هى كلمة مصر الرسمية والشعبية المسموعة التى سيكون لها التأثير الأكبر خلال الشهور المقبلة.

سمير كرم  كاتب سياسي مصري
التعليقات