الهجمات الإرهابية ــ من نوع التفجير أمام كنيسة القديسين فى الإسكندرية ــ ليست كوارث طبيعية. مع ذلك فإن بينها وبين الكوارث الطبيعية أشياء مشتركة. وبسبب هذه الأشياء المشتركة تكون استجابة الغالبية الجماهيرية معها استجابة مفعمة بالعاطفة الشعبية وليس بروح الثأر.. تماما كما يحدث إزاء كوارث الطبيعة.
إذا ما تذكرنا زلزال عام 1992 وكيف كان رد الفعل الجماهيرى العام نستطيع أن نعرف مدى عاطفية الجماهير المصرية. ربما لأن الحادثة الإرهابية ضد أقباط مصر حدثت وأنا خارج البلاد وكذلك كانت الحال بالنسبة لزلزال 1992. من الخارج تستطيع أن ترقب كل ردود الفعل وأن تشارك فى العواطف الوطنية والإنسانية وأن تبكى وأنت ترقب على شاشات الفضائيات التليفزيونية كيف يسلك الشعب المصرى ازاء هذه الكوارث.
اهم ردود الفعل فى الحالتين ــ برغم تميز حالة الهجوم الإرهابى بوجود مسئولية بشرية ــ تظهر فعلا طبيعة الشعب المصرى القادرة على تجريد الحدث من تفاعلاته السياسية ورؤية الجانب الإنسانى فيه. إننى أجرؤ حتى على القول بأن الجماهير المصرية فى دفاعها عن الوئام بين المسلمين والأقباط وعن وحدة الهلال والصليب كانت أرقى انسانيا وحضاريا فى رؤيتها لما جرى بصرف النظر عن المسئول عنه. لا نستطيع أن نغفل عن حقيقة أن المظاهرات المصرية فى شوارع المدن أعطت للعلاقات القبطية المسلمة فى هذا البلد ما تستحقه من اعتبار فوق كل الاعتبارات الأخرى. وهذا مكسب كبير لم يخطر ببال مخططى ومنفذى عملية التفجير لأنهم ــ بالفعل ــ لا يعرفون طبيعة شعب مصر بمسلميه وأقباطه.
لكن هل يمكن القول بأنه لم يخطر ببال أولئك الإرهابيين ان عملهم سيمتد بـ«فائدة إيجابية» تجنيها السلطة أيضا؟
أليس صحيحا أن التفجير قد حل فى المشهد المصرى كلية محل كل الأحداث التى سبقته والتى كان النظام الحاكم ــ الحكومة والحزب والمؤسسات والأجهزة ــ تحت هجوم يكاد يكون غير مسبوق بسبب وقائع الانتخابات الأخيرة لمجلس الشعب؟ أليس صحيحا أن كل الاتهامات والمطالبات التى صاحبت الانتخابات وسبقتها وأعقبتها اختفت من المشهد السياسى ليحل محلها مشاهد ردود الأفعال الوجدانية والعقلية للتفجير؟ يكاد ستار كثيف من النسيان يكون قد انسدل على القضية السياسية الكبرى التى اثارتها انتخابات مجلس الشعب، حتى لم يعد هناك من حديث عنها. ومن ذا الذى يجرؤ على تناول هذا الموضوع السياسى بعد هذه المأساة الكارثة؟
لا شك عندى أن الكسب الكبير الذى حققته قضية الوئام الإنسانى والاجتماعى بين أقباط مصر ومسلميها يفوق كل آثار الشر الكبير الذى مثله الانفجار الذى قتل مسيحيين وقتل مسلمين أيضا. ويتمثل هذا الكسب الكبير فى المظاهرات والشعارات واللافتات التى جمعت بين الهلال والصليب فى عناق واضح لمشاعر الأقباط فى لحظة هى بالتأكيد لحظة مأساة. ولكن مشهد جماهير المسلمين ــ وبينهم الشابات المحجبات ــ وهى تهتف مدافعة عن الوئام المصرى الأساسى شكل أهم ردود الفعل على الكارثة التى صنعها تعصب خارجى. فالاجماع على أن الأيدى الآثمة فى هذا الهجوم أجنبية لم يقصد فحسب فى منطق الجماهير أنها ليست مصرية إنما قصد تحديدا أنها ليست مسلمة وليست إسلامية لا فى الأهداف ولا فى الأساليب.
لقد وصف أحدهم الانفجار الذى استهدف كنيسة القديسين بأنه «11 سبتمبر المصرية». وهذا وصف فيه كثير من الصحة. لكن عند هذه النقطة ينتهى التشابه ــ عند نقطة النسبة والتناسب فى الفعل الشرير. ويبدو الفرق واضحا بين الكيفية التى ردت بها الجماهير المصرية على الكارثة التى ألمت بها والكيفية التى لا تزال بعد مضى نحو عشر سنوات تتعثر بها الجماهير الأمريكية فى الرد على كارثتها.
«عمار يا مصر» كان عنوان مقال كتبته عن زلزال 1992 وهأنذا أكرره بالنسبة للزلزال الإرهابى.