الصراع بين منطق الثورة ومنطق الدولة - سمير كرم - بوابة الشروق
الجمعة 4 أبريل 2025 6:35 م القاهرة

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تتوقع نجاح اتفاق الهدنة في غزة؟

الصراع بين منطق الثورة ومنطق الدولة

نشر فى : الأربعاء 8 فبراير 2012 - 9:10 ص | آخر تحديث : الأربعاء 8 فبراير 2012 - 9:10 ص

يتمثل التناقض الرئيسى الذى تواجهه الثورة الآن فى الصراع أو المواجهة بين خطين. أحدهما يمثل الشعب بجماهيره، وهو بهذا المعنى يمثل الثورة. فالثورة بالمعنى المباشر والحقيقى هى الشعب فى حالة ثورة. اما الخط الثانى فيتمثل فى مجلس الشعب الذى يجد نفسه الآن فى حالة اختبار أمام تيار الثورة.

 

باختصار شديد التناقض الرئيسى الراهن هو بين الميدان والبرلمان. أيهما يستطيع أن يفرض مساره ليكون مسار الثورة. والصراع بينهما يتمثل أساسا فى محاولة كل منهما أن يعيد صياغة الآخر. الميدان يظهر بوضوح أنه غير مقتنع بتركيبة البرلمان، ويعتبر أنها لا تعبر عن إرادة الشعب بصورة أو بأخرى ولسبب أو آخر. لأن الميدان يبدى اقتناعا بأن التيار الدينى الذى حاز الأغلبية فى الانتخابات لا يمثل إلا جزءا من الثورة ولا يمكن أن يمثل الثورة كلها. فى الوقت نفسه فإن البرلمان بأغلبية من التيار الدينى يريد أن يعيد صياغة الميدان ــ أى تيار الشعب والثورة ــ بما يجعل البرلمان يمثل الشعب، وبالتالى الثورة باعتبار أن الشعب قد عبر بنفسه عن إرادته الحرة فى الانتخابات التى جرت بصورة ديمقراطية خالصة.

 

لهذا يوجد تصور بأن الثوار انقلبوا على التيار الدينى لأن هذا التيار يريد اختزال الثورة فى مجموع النواب المنتمين للتيار الدينى الذين فازوا فى الانتخابات. وقد أظهرت المواجهات الأولى التى حدثت فى الجلسات الأولى للبرلمان سواء داخل البرلمان أو خارجه أن احتمالات الصدام واردة وليست مستبعدة. فالثوار يتحركون من الميدان باتجاه البرلمان لتأكيد أن الثورة لم تدخل البرلمان. أما البرلمان فقد لخص موقف التيار الدينى فى لجوئه إلى ميليشيات الإخوان المسلمين لتولى حراسة البرلمان. وهذا وضع لا يستطيع الثوار قبوله لأنه يضيف ميليشيات الإخوان إلى القوى التى تريد أن تواجه الثورة بالقوة. أى إلى قوى المؤسسة العسكرية وقوى الأجهزة الأمنية وقوى فلول النظام القديم.

 

●●●

 

وإزاء هذا الوضع المشحون بالتناقض لابد من الانحياز ــ مهما كانت درجة الحيادية التى يريد الكاتب أن يحتمى بها ــ إلى حقيقة أن على البرلمان أن يهتدى بالميدان وأن العكس لا يصح ولا يستقيم مع استمرار الثورة. إن اهتداء الميدان بالبرلمان غير ممكن وغير مقبول لكل من يؤمن بوضوح ودون التباس بأن الثورة مستمرة وأن بؤرتها الأساسية هى الميدان لا البرلمان. أن الحياد بين الميدان والبرلمان غير جائز بل إنه غير ممكن. وقد اتضح أن الاكتفاء بالجانب الاحتفالى فى العيد السنوى الأول للثورة ــ وهو ما حاوله البرلمان وحاولته منظمات التيار الإسلامى ــ غير ممكن فى وضع لم تحقق الثورة فيه كل أهدافها.

 

ولابد ــ فى ضوء ما قلناه ــ أن نسلم بأن العملية الانتخابية التى أسفرت عن أغلبية للتيار الدينى ليست بحد ذاتها عملية ثورية، حتى وإن كانت نتيجة مباشرة للثورة. ونستطيع أن نؤكد هذه الحقيقة من مسلمة تنطوى عليها كل الدساتير فى العالم ــ الناتجة عن ثورة أو الناتجة عن صفقة بين القوى السياسية ــ وهذه المسلمة هى أن السلطة للشعب ولن نجد فى أقدم الدساتير المطبقة فى العالم أو أحدثها مسلمة أخرى تقول إن السلطة للبرلمان. ولكن الملاحظ أن الجماعات الدينية التى استطاعت أن تنال الأغلبية فى الانتخابات المصرية الأخيرة كانت هى نفسها ترفع شعار السلطة للشعب قبل أن تدخل البرلمان لكنها هجرت هذه المسلمة نظريا وعمليا بعد أن دخلت البرلمان. أن التيار الدينى يريد أن يعيد صياغة الثورة وفقا لافكاره الحزبية التى يزعم أنها مستقاة من النصوص الدينية المقدسة، أى من مبادئه غير المدنية.

 

أما الميدان فإنه يدين بهذه القاعدة ويريد لها أن تطبق فى كل الظروف والاحوال. الميدان لا يتخلى أبدا عن القاعدة القائلة بأن السلطة للشعب. ولهذا فإن الثوار اعتبروا أن محاولة اللجوء إلى ميليشيات جماعة الإخوان المسلمين من أجل حماية المؤسسة البرلمانية بمثابة انقلاب على الثورة، بينما اعتبر النواب المنتمون إلى الجماعات الدينية أن محاولة الثوار «اقتحام البرلمان» بمثابة «انقلاب على البرلمان».

 

●●●

 

لقد اعتبر الناطقون بلسان التيار الدينى فى البرلمان أن «حصار مجلس الشعب» من قبل الثوار «جريمة بحق الشعب المصرى لأنه خط احمر من يقترب منه يهدر هيبة الدولة ويهدر ركنا مهما من أركانها». وإمعانا من جانب التيار الدينى فى الحديث بلغة الدولة وليس بلغة الثورة، طالبت جماعة الإخوان وزير العدل بـ«الإسراع باتخاذ الإجراءات القانونية ونشر المعلومات التى تم التوصل إليها من التحقيقات بشأن الاشتباكات بين شباب الإخوان المسلمين والمتظاهرين أمام مجلس الشعب». واتهمت الجماعة بعض المتظاهرين بأنهم «يمولون ويتدربون فى الخارج من دول أجنبية تريد إحداث الفوضى وتخريب المنشآت».

 

فى الوقت نفسه، أعرب الناطقون باسم «تحالف ثوار مصر «عن استيائهم «من شباب الإخوان الذين التفوا حول البرلمان لحمايته من اقتحام المتظاهرين». ودعا بيان لهذا الائتلاف جماعة الإخوان إلى تقديم اعتذار فورى والتعهد بعدم تكرار ما حدث مستقبلا.. أن التظاهر سيستمر أمام أى مؤسسة فى مصر وعلى رأسها البرلمان». ونددت «الجبهة الحرة للتغيير السلمى» بعودة «ميليشيات النظام الخاص للإخوان ومحاولتها شغل مكان الامن المركزى وتواطؤ مكتب الإرشاد (الإخوانى) مع المجلس العسكرى بصفقة جديدة كى يكونوا ظهيرا سياسيا لآلة القمع العسكرية باستغلال شباب الإخوان فى موقعة الجمل فى مواجهات دامية مع الشعب وشباب الثورة».

 

●●●

 

إنه بكل وضوح منطق الدولة فى مواجهة منطق الثورة. ولم يختلف الأمر فى داخل البرلمان نفسه. فلقد تحدث نواب التيار الدينى بمنطق الدولة حين كان الصراع على تكوين لجان البرلمان بينما تحدث النواب من الأحزاب الليبرالية بمنطق الثورة. الأمر الذى أوضح مدى الاختلاف بين مواقف الإخوان المسلمين، كما كانوا يعبرون عنها وقت العمل فى الظلام ومواقفهم يعبرون الآن عنها، وهم تحت الشمس يملكون أغلبية مقاعد البرلمان.

 

إن الدلائل تشير إلى أن هذا التناقض بين تيار الثورة، كما يعبر عنه من الميدان والتيار الدينى، كما يعبر عنه بألسنة الاغلبية من التيار الدينى سيستمر، أى أن الصراع ــ بالأفكار على الأقل ــ وبالصدام الدموى على الأكثر لن يتوقف. وسيكون هذا التناقض أو الصراع فى ذروته فى الأوقات والحالات التى ينحاز فيها التيار الدينى إلى قرارات المجلس الأعلى للقوات المسلحة بشأن الأحداث والتطورات التى تنجم أساسا عن استمرار الثورة واستمرار دورها من الميدان. فالمؤشرات واضحة على أن استعداد التيار الدينى للانحياز إلى النظام الحاكم اقتناعا منه ــ فى الواقع اقتناعا منهما ــ بأن الثورة قد انتهت عند نقطة الإطاحة برئيس النظام السابق.

 

يضاف إلى هذا أن الحرص الذى يبديه التيار الدينى الآن على خلق حالة وئام وتفاهم مع الأمريكيين يضيف إلى أسباب تمسكه بموقف الاكتفاء بما تم من أهداف الثورة حتى الآن. فهو يتفق فى هذا مع الأمريكيين الذين لا يريدون للثورة أن تستمر فى صراعها من أجل استعادة دور مصر القومى والإقليمى. أن إصرار أمريكا على التركيز على مسالة الديمقراطية يظهر اقتناعها بأن فوز التيار الدينى (الإخوان المسلمين على وجه التحديد) كافٍ للسير بمصر فى مسار الديمقراطية. أما بالنسبة للتيار الثورى ــ ومعه الأحزاب الليبرالية واليسارية ــ فقد أعلن صراحة أنه يرفض هيمنة حزب الحرية والعدالة (الإخوان المسلمين) على البرلمان ويرفض أن تكون هذه الهيمنة القدر الكافى من الديمقراطية التى يريد التيار الثورى بأكمله أن يدافع عنها كهدف أساسى من أهداف الثورة التى لم تتحقق بعد.

 

الصراع مستمر بين منطق الدولة ومنطق الثورة. وسيستمر ما دامت الثورة مستمرة، وما دامت الأغلبية البرلمانية تكتفى بما حققته وتعتبره نهاية الثورة وبداية الدولة الدينية.   

سمير كرم  كاتب سياسي مصري
التعليقات