فى كل مرة تقرأ إعلانا بالبنط العريض عن فتح وزارة الخارجية باب اختبار دفعة جديدة من الشباب للالتحاق بالسلك الدبلوماسى تضع يدها على قلبها. تقول لنفسها ربنا يستر فخبرتها مع المتقدمين لمثل تلك الاختبارات لا تسر عدوا ولا حبيبا. شباب يجذبهم بريق السفر كما جذب البريق نفسه من قبل الريفية البسيطة فى «نداهة» يوسف إدريس لتكتشف الريفية من بعد أن فى المدينة خبثا وضجيجا والتواء فهل يكتشف هؤلاء الشباب بدورهم أن السفر خطوة أولى على طريق لا أصعب منه ولا أطول؟
إن عواصم العالم ليست كلها نيويورك ولندن وباريس بل إن هذه العواصم بالتحديد محجوزة سلفا لأصحاب النصيب وما أكثرهم، وحفلات الاستقبال العامرة فى هذه السفارة أو تلك ليست هى الساحة الحقيقية لاختبار قدرات الدبلوماسى الشاب لكنها مجرد هوامش على دفتر تمثيل مصر، والعنجهية التى تختلط ضمنا بأبناء السلك تحتاج إرادة قوية جدا لمقاومة إغرائها فى صنعة لغتها هى الكلام. لكن أبدا لا تفقد الخارجية بريقها.
لها فى الخبرة المتكررة فى تدريس ما خف فهمه وثقل وزنه للمتقدمين لاختبارات الخارجية تاريخ طويل، خاضته فى أكثر من إطار وما أكثر الأطر المتنافسة على تنظيم دورات للشباب الراغبين فى الالتحاق بالسلك. تُنظم الدورات لأسبوعين أو شهر بحد أقصى يتم فيها تدريس شىء من كل شىء لمتقدمين أكثرهم لا عهد له بالسياسة أو حتى بمطالعة صحيفة، وقليل منهم من أعد نفسه من بضع سنوات لمهمة يصير بعدها جناب السفير.
ولذلك اندهشت أول مرة شاركت بالتدريس فيها فى مثل تلك الدورات عندما سألها أحدهم متى حصلت مصر على استقلالها؟ فردت عليه من فورها: بتتكلم جد؟ قال نعم أنا أصلى تجارة English. أف لكلمة English التى باتت تلتصق بالتجارة والاقتصاد والإعلام وكل العلوم حتى بدت وكأنها تخصص فرعى قائم بذاته، والأهم أنها لم تكن تعلم أن إجادة اللغة تبرر الجهل بتاريخ البلد الذى يفترض أن يمثله صاحبنا فى الخارج. أدهشها أول احتكاك بالمتقدمين للاختبار ثم زالت دهشة السابقة الأولى ومن بعد لم تعد تندهش قط.
وفى إحدى المرات وهى تسترسل فى تحليل صعود الدور الإيرانى فى الشرق الأوسط، وتشرح من أعماق أعماق قلبها، قاطعتها شابة بدت عليها سمات الوقار والجدية وسألتها بغير استئذان: تقريبا الإيرانيين مش عرب صح؟ ثبتت نظارتها فوق أنفها ورجعت بظهرها إلى الخلف وأحست أن دشا باردا جدا بللها ومع ذلك لم تندهش، نعم لم تندهش بل ردت فى هدوء غير المبالية: نعم إنهم فرس. لكن الشىء المؤكد أنها بعد هذا السؤال لم تستطع أن تستعيد حماستها قط.
وفى مرة ثالثة جاءها شاب متواضع الهيئة تعاطفت معه من أول وهلة، فهى تعرف أكثر من غيرها كم يحتاج هؤلاء أن يحفروا بأظافرهم فى الصخر حتى يفوزوا بوظيفة فما بالك إن كانت الوظيفة المطلوبة ولو على المدى الطويل بدرجة سفير؟ اقتنصها الشاب قبل أن تبدأ المحاضرة ليسر لها على جنب أنه قطع شوطا كبيرا فى قراءة تاريخ المنطقة ووصل فيه إلى وقوع قبرص تحت الاحتلال العثمانى. أشفقت عليه فعلا، فهناك من أقنع هذا المسكين أنهم فى اختبارات الخارجية يسألون المتقدمين عن تاريخ اختراع العجلة، فقرر أن يقرأه. ربتت على كتفه وقالت هون عليك ففى حاضر قبرص تفاصيل أدعى أن تستوعبها. لم يصدقها أو بدا أنه كذلك وسبقها إلى داخل القاعة.
هل تشارك فى الضحك على هؤلاء الشباب عندما تحاضرهم فيما يسمى دورات إعداد الدبلوماسيين؟ سؤال طرحته على نفسها وهى تعلم كم من المال يدفع المتدربون الذين يجرون وراء سراب الخارجية،وتعلم أن ليس كل من يدفعون ميسورين فمنهم من يقتطع من قوته أو قوت أسرته لعله يدخل السلك، بل إن منهم من يرسب ويكرر التجربة فيرسب ويكرر التجربة حتى لا يعود هناك أمل فى إعادة التجربة ولا فرصة لاحتمال صدمة الرسوب.
ما الذى يفرقها عن أصحاب عشرات الأكشاك فى حى بين السرايات الذين يختصرون لطلاب الجامعة مقررات القانون الدولى العام منه والخاص ومدخل العلاقات الدولية ويتركونهم وشأنهم ينجحون أو لا ينجحون؟ وكانت ترد على نفسها إنها تخلص فى عملها وحسبها هذا، فإن هى أخلت مكانها فهناك قطعا من سيشغله ربما بدأب أقل وصبر أقل وإخلاص غير الإخلاص. وكانت تضيف إن بين من تحاضرهم طلابا مسنودين بأب أو جد أو عم سفير حالى أو سابق وهؤلاء صحيح لا يحتاجون لها، لكن بينهم أيضا طلاب لا ظهر لهم فإن هم لم يجدوا من يسمعون منه ويفهمون فلن يكون لهم أحد، ولن يصبح من حقهم أن يحلموا بالخارجية، وفى بعض الحلم راحة. نعم كان هذا ما تقول حتى جاء يوم.
فى هذا اليوم كانت تحاضر كعادتها فى قاعة ملأى بالطلاب، وكانت تحس بشىء من الرضا لأن بعض خريجى الطب والهندسة يتفاعلون معها بشكل طيب جدا وهى ظاهرة ملفتة على أى حال، ظاهرة اهتمام المتخصصين فى العلوم الطبيعية بالشأن العام، عندما حانت منها التفاتة إلى شابة هى على الأرجح سليلة أسرة دبلوماسية تجلس فى الصف الأول.
التقطت الشابة حقيبتها من على الأرض وفتحتها، فتابعتها عيون المحاضرة بفضول طبيعى لم يتناسب أبدا مع ما حدث لاحقا. أخرجت الشابة علبة كريم دوف من حقيبتها وشمرت عن ساعديها البضّين وأخذت تدهن فى رفق. عقدت الدهشة لسان المحاضرة فصمتت برهة لكن الشابة دعتها للاسترسال قائلة: استمرى يا دكتورة فإنى منصتة. لكن احتاجت الدكتورة مجهودا خرافيا لتسيطر على انفعالها فابتلعت نصف قرص من دواء تهدئة ضربات القلب ولملمت أوراقها وخرجت. لاحقها عشرات من عشاق البريق المزعوم آسفين، لكن بالنسبة لها فإن تلك التجربة كانت هى القطرة التى أسالت ماء الكوب.