مذيعات الجزيرة - نيفين مسعد - بوابة الشروق
الخميس 3 أبريل 2025 3:49 ص القاهرة

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تتوقع نجاح اتفاق الهدنة في غزة؟

مذيعات الجزيرة

نشر فى : الخميس 8 يوليه 2010 - 10:26 ص | آخر تحديث : الخميس 8 يوليه 2010 - 10:26 ص

 دخلت مذيعات قناة الجزيرة بيوتنا من أوسع أبوابها، اعتدنا عليهن وصرنا نعرفهن بالاسم فهذه چومانة وتلك لونا أو خديجة أو ليلى أو إيمان.نحب فيهن تلك الجدية الفائقة تكسو ملامحهن فلا تصنع ولا دلال، ونحترم إعدادهن الجيد لعملهن بأثر لا يخفى لسنوات الخبرة فى مدرسة الـ«بى بى سى» العريقة، ترتاح آذاننا إلى اللغة العربية السليمة التى تتكلمنها بطلاقة، وتدهشنا قدرتهن على استخراج ما يدور فى رءوسنا وتحويله إلى أسئلة توجه إلى ضيف المنتصف أو الحصاد أو يحاورن به أحد المسئولين فى برنامج ما وراء الخبر.

أما الأهم من كل ذلك فهو أننا نصدقهن، فهن مذيعات محترفات يخلعن انتماءاتهن القُطرية على باب الاستوديو وإن كانت الأخبار تمس بلدانهن وناسها. ولعل أكثرنا لم يقدر له أن يعرف، أو لم يكن يهتم أصلا أن يعرف، جنسيات هؤلاء المذيعات، وتلك شهادة لهن بالموضوعية.

فى كل الأحداث التى مرت بالعالم على امتداد عمر الجزيرة كانت مذيعاتها على مستوى المسئولية، وكذلك المراسلات اللائى تزودهن بالمادة العلمية. وإن أنسى فإننى لا أنسى الانفعال النبيل لمراسلة الجزيرة فى الأراضى المحتلة جيفارا البديرى وهى تغطى حصار الجيش الإسرائيلى لكنيسة المهد ببيت لحم فى عام 2002 على مدى تسعة وثلاثين يوما كاملين. كانت جيفارا فى حينها حديثة عهد بموقعها الإخبارى، لكن كلماتها كانت تخرج كطلقات تستقر فى قلوب مشاهديها فيسرى إحساسها الدافق فى شرايينهم.

لن أنسى بشرى عبدالصمد مراسلة القناة فى بيروت وهى تغطى عدوان يوليو 2006 مرتدية قميصا واقيا من الرصاص، وفى خلفية المشهد دوى انفجارات وإطلاق نار يصم الآذان. لم يثر حتى الآن لغط مشابه حول هؤلاء المراسلات، لكن أحدا لا يضمن ألا يثور فى المستقبل.

وفى كل الأحوال فإن ظهور حرفية الطاقم النسائى للجزيرة بكامله لفت انتباهنا إلى تعاسة مستوى مذيعاتنا ومراسلاتنا إلا من رحم ربى، مبالغة فى الشكل وتواضع فى المضمون، وقلة استعداد للقاء الضيف أو التواصل مع المشاهد. انقرض جيل سلوى حجازى وليلى رستم وأمانى ناشد ومنى جبر، مع أنه يفترض أن يبدأ الشىء صغيرا ثم ينمو، وليس العكس.

لكل ما سبق فإنه عندما نشر فى صحف مصرية وعربية أن خمسا من مذيعات الجزيرة تقدمن باستقالاتهن إلى إدارة القناة، وورد فى تبرير ذلك سببان، أحدهما إبداء ملاحظات على المظهر العام للمذيعات، والآخر تحرش بهن من طرف بعض المسئولين، أصابنى كما لا شك أصاب غيرى كرب عظيم. فالتبريران يعنيان أن هناك بين الرجال من لايزال مسكونا بالنظرة الحسية للمرأة حتى وإن جاهدت لتثبت أن لها عقلا يحترم ومنطقا يؤخذ منه ويرد.

فى البداية تحفظت فى تناول هذا الموضوع توخيا للحذر، فالمصادر الإعلامية التى سربت الخبر لا يجمعها بالجزيرة ولا بالعاملين فيها ود كبير. ولذلك كتبت مسودة هذا المقال منذ قرابة شهر واحتفظت بها داخل مكتبى. لكن بالتدريج تجمعت عدة مؤشرات للتدليل على أن نشر الخبر له ما يبرره، فهناك أولا التزام القناة الصمت التام وعدم تعليقها على الخبر تأكيدا أو نفيا، وهى التى عودتنا ألا تترك موضوعا إلا وأشبعته تحليلا فما بالك أن يكون الحدث فى عقر دارها. وهناك مقال مراسلها فى الأردن ياسر أبوهلالة بجريدة الحياة يدافع فيه عن حق أى مؤسسة فى أن تضع ضوابط لهيئة موظفيها، وهناك تحقيق صحفى خرج من الدوحة يتناول الموضوع نفسه. ثم هناك افتقادنا وجوه هؤلاء المذيعات على شاشة القناة تباعا.

يذكرنى من ينظر إلى أنوثة مذيعات الجزيرة بذلك الشخص الذى تخلبه أنوثة راقصة الباليه أو السَّباحة فى مسابقة أوليمبية، فى الوقت الذى لا يرى فيه أكثرنا فى حركة الباليرينا إلا رشاقة الفراشة وخفتها فلا تكاد تلامس أطراف أصابعها خشبة المسرح حتى تحلق وتلف وتدور بلا توقف، ولا يلتقط معظمنا من السباحة إلا ذراعيها القويتين تضربان الماء وتسابقان الزمن لأن لكل ثانية قيمتها.

من يرى غير ما نراه لا يُلزمنا بما يدور فى رأسه هو، ومن يسقط خيالاته على واقعنا لا نحتكم إلى معاييره الخاصة فى التقييد والإباحة. ومن عجب أن يحدث هذا فى قطر مع ما نعلمه عن خطابها الرسمى عن تمكين المرأة، ذلك المصطلح الناقص (تمكين من ماذا؟) الذى أصبح مضغة فى كل الأفواه حتى أصبح لا يعنى أى شىء على الإطلاق.

الأكثر من ذلك أنه فى الوقت الذى يثور فيه حديث التحرش والمظهر العام فى قطر، تحاول المرأة الخليجية أن تغير واقعها فى ثبات ودأب. ويقينا فإن بين ما أثار زهو كل نساء الخليج والعرب فى الآونة الأخيرة، مشاركة سبع نساء كويتيات فى قافلة الحرية يدا بيد مع مواطنين كويتيين وعرب وأتراك وأجانب فى محاولة لفك قيود غزة المحاصرة. مدهش أن يخرج المجتمع الكويتى الذى ظل حتى خمس سنوات مضت يأبى على المرأة فيه أن يكون لها صوت انتخابى، مدهش أن يخرج نساء يبحرن إلى المجهول ويتحدين عدوا لا عهد له ولا ذمة، فتحية لهؤلاء النساء السبع وتحية لأسرهن التى لو فكرت فيما فكر فيه أصحاب فكرة المرأة الجسد لما أعطتهن إذنا بالسفر ولا وضعتهن فى مرمى الأسر أو الشهادة.

لكن هذا هو منطق الأشياء، فمن يتصدى للقضايا الكبرى لا تشغله المظاهر. وفى السعودية نفسها لم تفقد المرأة الأمل فى تحريك المياه الراكدة، وهى تصارع منذ عقدين من الزمان لانتزاع حقها فى المواطنة الكاملة، فمن لا يعطى له زمام عربة لا يسلم له زمام دائرة. وفى كل الخليج طفرة تعليمية لا تستثنى النساء وتهيئ التربة لمشاركة أوسع للمرأة، فما بال قطر وجزيرتها؟

عزيزاتى مذيعات الجزيرة المحترمات شكلا ومضمونا، كل التقدير لكن من مشاهدة لا تعرفنها تثمن موقفكن الشجاع ممن ظنوا أنهم أكثر منكن حرصا على الفضيلة وأدرى منكن بمواصفاتها، فمثل هذا الموقف جدير بكل امرأة عربية ترفض أن تعيش حبيسة سجن الجسد أو أن يدفع بها المجتمع، أو بعض شرائحه، إلى داخل المربع رقم واحد، وهذا أبدا لن يكون.

نيفين مسعد أستاذة بكليّة الاقتصاد والعلوم السياسيّة جامعة القاهرة. عضو حاليّ فى المجلس القوميّ لحقوق الإنسان. شغلت سابقاً منصب وكيلة معهد البحوث والدراسات العربيّة ثمّ مديرته. وهي أيضاً عضو سابق فى المجلس القوميّ للمرأة. حائزة على درجتي الماجستير والدكتوراه من كليّة الاقتصاد والعلوم السياسيّة – جامعة القاهرة، ومتخصّصة فى فرع السياسة المقارنة وبشكلٍ أخصّ في النظم السياسيّة العربيّة. عضو اللجنة التنفيذية ومجلس أمناء مركز دراسات الوحدة العربية ببيروت. عضو لجنة الاقتصاد والعلوم السياسية بالمجلس الأعلى للثقافة. عضو الهيئة الاستشارية بمجلات المستقبل العربي والسياسة الدولية والديمقراطية
التعليقات