وحدة السلاح لا الأفكار - سمير كرم - بوابة الشروق
الجمعة 4 أبريل 2025 7:59 م القاهرة

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تتوقع نجاح اتفاق الهدنة في غزة؟

وحدة السلاح لا الأفكار

نشر فى : الجمعة 8 أغسطس 2014 - 7:40 ص | آخر تحديث : الجمعة 8 أغسطس 2014 - 7:40 ص

لا يحتاج المرء إلى كثير من التفكير والتأمل ليستنتج أن المعارك الراهنة التى تسيطر على أحداث الوطن العربى تخوضها القوى المختلفة بأسلحة آتية من مصادر واحدة. فالأسلحة التى تحارب بها القوى المختلفة فى بلدان الوطن العربى أسلحة آتية من المصادر ذاتها. أغلبها آت من الولايات المتحدة وقليل منها آتٍ من المخازن والترسانات الأوروبية.

فهل يمكن الخروج من هذه الحقيقة عن مصادر الأسلحة التى تخاض بها حروب التنظيمات العربية والنظم العربية باستنتاجات محددة ذات قيمة ودلالة فيما يتعلق بهذه الحروب وما تهدف إليه من غايات؟

لعل من الضرورى أولا أن نلاحظ أن حروب الماضى كانت تدور بين قوى تختلف فى درجات اعتمادها على أسلحة تصنع فى بلدانها وليس خارجها. وعلى سبيل المثال فإن الحروب الصليبية كانت تدور بين طرفين يصنع كل منهما أسلحته وتتكيف سبل الحرب والمواجهات بين الطرفين على النحو الذى يلائم كلا منهما وأساليبه وقدراته. وقبل ذلك كانت هذه الأمور أكثر اختلافا بين المسلمين الناهضين بأفكارهم الجديدة وشعوب المناطق المحيطة بالبلد الذى نشأ فيه الإسلام وصمم على الاتساع بالدعوة. كان المسلمون يحاربون بأسلحة وغيرهم يحارب بأسلحة أخرى. أما الآن فإن الطرفين المتحاربين يحاربان بالأسلحة ذاتها من المصادر نفسها. فما دلالة هذا التماثل فى أنواع الأسلحة؟

•••

إن قدرة الطرف أو الأطراف التى تمد المتحاربين بالأسلحة تكاد تكون قدرة غير محدودة على تزويد المتحاربين بالأسلحة. وفى الوقت نفسه فإن قدرة الأطراف نفسها على وقف إمدادات الأسلحة عن المتحاربين تكاد تكون غير محدودة. ذلك أنه إذا ما تغيرت الظروف، واستوجبت بالنسبة للأطراف صاحبة المصلحة فى الحرب أن توقف إمدادات الأسلحة للمتحاربين يصبح بالإمكان وقف هذه الإمدادات خلال فترة زمنية قصيرة. ومن المؤكد أن يكون لهذا تأثيره على نتائج تلك الحروب، بل وأساسا على قدرة المتحاربين على خوضها، فضلا عن الاستمرار فيها لتحقيق نتائج فاصلة. أما إذا كانت الأطراف التى تمد المتحاربين العرب بالسلاح تجد مصالحها فى استمرار الحروب فإن استمرارها فى تزويد هذه الأطراف المتحاربة بالأسلحة لن يعوقه إلا قدرة المتحاربين وأسلحتهم على مواصلة القتال ضد خصومهم. وكذلك قدرة خصومهم على الاستمرار فى القتال. ولا يعنى هذا أن من مورد السلاح للطرفين يملك وحده القدرة على تحديد مدى القدرة على الاستمرار فى القتال. إن عوامل كثيرة بعضها لا يتعلق بكميات ونوعيات الأسلحة تحدد هذه القدرة. ولعل ما حدث ويحدث فى سوريا وفى ليبيا واليمن والآن غزة على وجه التحديد يرسم صورة واقعية على أن هناك عوامل غير كميات الأسلحة ونوعياتها تتحكم فى قدرة المتقاتلين على تحقيق نتائج محددة من القتال أو العجز عن تحقيقها. وما يحدث من قتال فى العراق يعطى مثالا واضحا على صعوبة الخروج باستنتاجات محددة تتعلق بكميات الأسلحة أو نوعياتها. ولعل الاستنتاج الوحيد الذى يمكن الخروج به هنا هو الاستنتاج المتعلق باستمرار تدفق الأسلحة على الأطراف المتحاربة وقدرة الأطراف المتحاربة على التوصل إلى نتائج محددة فى الميدان.

•••

ويتعين على الباحث فى هذا الميدان أن يعرف أن قدرة المقاتلين لا تتوقف على أنواع الأسلحة وكمياتها. إن هناك عوامل بالغة الأهمية والتأثير تحدد قدرة المقاتلين على تحقيق نتائج على الأرض. بعض هذه النتائج يتعلق بثقة المتقاتلين فى الأفكار والمبادئ، التى تمثل دوافعهم إلى الحرب. ومن هذه الدوافع ما هو مادى وما هو دينى وما هو وطنى. وحتى الآن فإن التاريخ لم يقدم أدلة قاطعة على أن أيا من هذه الدوافع أقوى على تحقيق النتائج من غيره. ففى ظروف تاريخية معينة كان العامل المادى أقوى العوامل مقارنة بالعوامل الأخرى. وفى ظروف تاريخية مختلفة كان العامل الدينى أقوى.. وهكذا. وفى الحالات الماثلة أمامنا فى الظروف الحالية يمكن أن نوضح أن العامل المادى البحت يحاول أن يؤكد تعاونه مع العامل الدينى. وعلى سبيل المثال فإن الولايات المتحدة التى تتزعم التفكير المادى فى العالم الراهن إنما تزود بالسلاح قوى تزعم أن الدوافع التى تمثل قدراتها الأساسية فى القتال هى دوافع دينية أو روحية. وسيكون على الباحثين الجادين فى هذا المجال أن يبرهنوا على المعانى التى ينطوى عليها هذا التعاون بين القوى المادية والروحية فى الحروب الراهنة فى الوطن العربى. وهذا تساؤل لا يقل أهمية أو صعوبة عن التساؤل الذى كان قائما عندما كان الاتحاد السوفييتى فى السابق يمثل المصدر الأساسى للسلاح والتأييد لقوى لا تفتقر إلى الوازع الدينى والروحى فى حربها ضد الاستعمار وأعوانه. ولو أننا استعرضنا التاريخ لكان من السهل علينا أن نكتشف أن هذا التناقض بين موردى الأسلحة والمحاربين كثيرا ما لعب أهم الأدوار بل أخطرها فى الحروب المختلفة المتتالية.

•••

لا غرابة إذن فى الوضع الذى نواجهه أو يمكن أن نواجهه فى حروب نخوضها أو يمكن أن نخوضها فى مستقبل قريب أو بعيد. لقد كان المفكرون والفلاسفة على حق فى الماضى البعيد والماضى القريب عندما تنبهوا إلى أن التناقض يلعب دورا أساسيا ومهما فى التحكم فى الاتجاهات الفكرية ــ وبالتالى العملية ــ التى تؤدى دورا مهما فى النظريات الفلسفية، وبالتالى فى الحروب وأسبابها ودوافعها (...)

سمير كرم  كاتب سياسي مصري
التعليقات