لابد من طرح وجهة النظر الأخرى فى هذا الموضوع.
وبداية لا يمكن الجزم بما اذا كانت الفترة بين تولى الاخوان المسلمين الحكم فى مصر ومحاولاتهم للصعود إلى السلطة فى دول عربية اخرى هى فترة طويلة او قصيرة. لكن هذا هو ما تدل عليه الأحداث.
إن الاخوان المسلمين ــ على الرغم من تورطهم فى مشكلات لا تكاد تحصى فى داخل مصر بعد ان تولوا الحكم فيها ــ لم يستطيعوا صبرا، فبدأوا يعملون من أجل إثبات وجودهم فى الخارج عمليا غير مكتفين بالمعرفة النظرية السائدة بأنهم موجودون فى خارج مصر كتنظيم سياسى يركز على الدعاية الدينية ويعتمد على قوة التنظيم والتسليح وتدريب الميليشيات.
هذه هى المؤشرات الاساسية لما اصبح متداولا فى الاخبار خلال الفترة الاخيرة عن القبض على عدد من الاخوان المسلمين فى الامارات العربية المتحدة وتوجيه الاتهام اليهم بادارة تنظيم يعمل من أجل «قلب نظام الحكم». كما وجهت اليهم اتهامات تتعلق بتحويل الاموال للجماعة الام اى لجماعة الاخوان المسلمين فى مصر، فضلا عن «جمع معلومات سرية» داخل الامارات بهدف «ضرب الاستقرار». وبطبيعة الحال فإن سلطات الامارات قد اعتقلت مواطنين مصريين ووجهت اليهم ايضا اتهامات مماثلة. ووصلت هذه السلطات فى التوسع فى اعلان هذه الاتهامات ضد المواطنين المصريين العاملين فيها إلى حد ابلاغ الصحافة بأسمائهم. الامر الذى يبدو منه ان سلطات الامارات حريصة على ان تقدم ما يكفى من الادلة على ان لديها اسبابا كافية للقبض على هؤلاء الاجانب.
وليست هناك اسباب موضوعية للاعتقاد بأن دولة الامارات العربية انما «تفترى» على الاخوان المسلمين المصريين العاملين فى الامارات بتوجيه هذه الاتهامات اليهم. وليس هذا من قبيل الدفاع عن دولة الامارات التى تنتهج سياسات لا يمكن الدفاع عنها اصلا انما المسالة ان ما هو منتظر من الاخوان المسلمين حيثما كانوا أن يسعوا إلى تولى السلطة كما فعلوا فى مصر، ولابد لهم للتهيئة لهذا من تحريك تنظيماتهم الخارجية سواء فى الامارات او فى غيرها. وتدل المعلومات المتاحة على ان الامارات ليست الدولة الوحيدة التى ظهر فيها هذا النشاط التنظيمى لجماعة الاخوان المسلمين، وخاصة بعد هيمنتهم على الثورة فى مصر وبعد صعودهم إلى مراكز السلطة فى تونس.
لقد بدا للاخوان المسلمين نشاط مسلح واسع الانتشار فى ليبيا أعطى ما يكفى من الادلة على انهم يسعون إلى الانفراد بالسلطة بعد ان ادوا دورا فى العمليات المسلحة التى واكبت الثورة الليبية. لقد حل النشاط التنظيمى الاخوانى محل النشاط المسلح الذى ادى إلى الاطاحة بسلطة القذافى وقيادته. ويوجد من المؤشرات الآن ما يشير إلى ان الاخوان المسلمين فى ليبيا يعملون من اجل الانفراد بالسلطة بعد ان برهنت احداث الثورة الليبية على انهم كانوا احد التنظيمات المسلحة التى قامت بها ولم يكونوا بأى حال الثورة كلها. وهو وضع لا يختلف عما جرى فى مصر فى اعقاب ثورة 25 يناير 2011 حينما عمل الاخوان المسلمون بكل جهدهم على أن يثبتوا انهم الاقدر على تولى امر الثورة وصولا إلى السلطة.
ولا يختلف هذا الوضع عما جرى ويجرى فى سوريا حيث تشير الدلائل إلى ان الاخوان المسلمين يسعون إلى الانفراد بالسلطة من خلال دور شاركوا به ولا يزالون فى العمليات المسلحة المتصاعدة ضد نظام بشار الاسد. ولم يعد خافيا على أحد ــ بما فى ذلك التنظيمات المسلحة الداخلية والخارجية ــ ان الاخوان المسلمين فى سوريا يعملون بنشاط من اجل الانفراد بالسلطة على اساس افتراض ان العمل المسلح يقترب من الوصول إلى غايته القصوى وهى الاطاحة بالنظام. غير ان للاخوان المسلمين السوريين غاية تتجاوز هذه الغاية القصوى وهى الانفراد بالسلطة فى دمشق. ولا يزال هذا الهدف يعرقل توصل التنظيمات المتعددة التى تمارس العمل المسلح فى سوريا إلى اتفاق يوحدها ويصل إلى السلطة باقوى هذه التنظيمات من حيث الدور القتالى والوجود السياسى.
والسؤال الذى يفرض نفسه هو اذا كان الاخوان المسلمون فى الخارج يتلقون تعليمات او حتى اوامر من «التنظيم الأم» فى مصر فيما يفعلون. وليس خافيا بأى حال ان الموقف الرسمى الذى تتخذه سلطة الاخوان فى مصر ازاء احداث ليبيا وسوريا، وبعد ذلك ازاء ما يجرى فى الامارات، يقدم اول الادلة على ان سلطة الاخوان المسلمين فى مصر تسكت – على الاقل – ازاء هذه التطورات تاركة لتنظيمات الاخوان المسلمين الخارجية حرية العمل من أجل اهدافها التى لا تختلف عن الاهداف التى كانت لتنظيم الاخوان فى مصر حينما سعى إلى السيطرة على السلطة وحتى تمكّن من تحقيق هذا الهدف.
وينشأ عن هذا السؤال سؤال آخر هو اذا كان اخوان الداخل سيتعاملون مع الاخوان المصريين فى الخارج باعتبارهم مصريين اساسا او باعتبارهم اخوانا اساسا. وهو سؤال يمكن ان تتعدد اوجه الاجابة عليه فى ضوء الموقف الرسمى لحكومة مصر ازاء هذه التطورات. ولكن فى كل الاحوال ستبقى سرية نشاط الاخوان فى الخارج موازية لسرية نشاط الاخوان فى الداخل المصرى. ولهذا السبب يبدو حتى الان ان السلطة الاخوانية فى مصر تبدى حرصا شديدا على ان تظهر بعيدة عن تحركات اخوان الخارج سواء فى تونس او سوريا او ليبيا او اخيرا فى الامارات. ذلك ان ارتباطات الاخوان المسلمين فى مصر بدول الخليج العربية ذات وزن كبير، من النواحى المالية والسياسية بشكل خاص. وعلى سبيل المثال، أو بالاحرى على سبيل التذكير، فإن اخوان مصر يرتبطون بقوة من هذه النواحى بدولة المملكة السعودية التى كثيرا ما اعتمدوا عليها منذ سنوات بعيدة كمأوى بديل حينما قرروا تفضيل الحياة فى المنفى على حياة الاعتقال او العزل فى مصر، فضلا عن اعتماد الاخوان فى كل بلد لهم فيها تنظيم على المساعدات المالية من هذه الدول كضامن لبقاء «خطر» الاخوان بعيدا عنها.
ومن هذه الزاوية يتضح تناقض حاد بين مصالح الاخوان ــ خاصة فى الخارج ــ ومصالح المصريين الذين يشكلون قوة عمل رئيسية فى بلدان الخليج وبصفة خاصة فى السعودية والامارات. ومن شأن هذا التناقض ان يسفر عن مشكلة «قطع عيش» للمصريين العاملين فى دول عربية تنشط فى داخلها جماعات تنظيم الاخوان المسلمين المصرية والعربية. واذا ما وصلت المشكلة إلى هذه النقطة فإنها ستشكل محنة حقيقية لسلطة الاخوان فى مصر، خاصة وهى تعانى ما تعانيه من مشكلات اقتصادية على رأسها اتساع نطاق البطالة.
ولا يمكن تناول هذا الموضوع المعقد والمتشابك دون التساؤل ايضا عن موقف امريكا التى ايدت الاخوان المسلمين فى ليبيا وتؤيدهم الآن فى سوريا وبالمثل فى مصر. هل ستتمكن امريكا من حل هذا التناقض؟ واذا لم تتمكن من حله، كيف ستكون النتائج؟