مانيفستو المستقبل - نيفين مسعد - بوابة الشروق
الخميس 3 أبريل 2025 3:53 ص القاهرة

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تتوقع نجاح اتفاق الهدنة في غزة؟

مانيفستو المستقبل

نشر فى : الخميس 10 مايو 2012 - 10:20 ص | آخر تحديث : الخميس 10 مايو 2012 - 10:20 ص

أحاول أن أبعد قليلا عن تفاصيل المشهد السياسيى اليومى بصراعاته وإحباطاته، آخذ مسافة عن الواقع الذى يمطرنا بسيل من الأسئلة على شاكلة: من فعل ماذا وكيف يكون الرد المضاد؟ أهاجر إلى المستقبل مع شباب يملك من العمر والحماسة ما يجعل البعض منه يطلق خياله بعيدا، وربما أبعد كثيرا مما نتصور، نحن الذى صّبنا ماضينا الطويل واستعدادنا للتأقلم فى قوالب، الإبداع فيها قليل.

 

***

 

قبل أسبوع من اليوم شاركتُ فى حلقة نقاشية نظمتها مؤسسة المورد الثقافى فى مصر تحت عنوان «مانيفستو المستقبل». جهلٌ أكثرنا بما تكونه مؤسسة المورد الثقافى هو فى حد ذاته دليل على قلة الاهتمام بالإبداع. فالمؤسسة التى تعمل منذ عام 2003 لدعم مبادرات المبدعين العرب يكاد ألا يسمع بها أحد خارج نطاقين : قطاع محدود من النخبة الثقافية، والمستفيدون من المنح التى قدمتها المؤسسة فى مختلف مجالات الإبداع الفنى. أما فكرة الحلقة النقاشية فإنها تدور حول معرفة كيف ينظر أربعة من شباب الثورات العربية إلى المستقبل، وإلى أى حد هم قادرون على صوغ برنامج أو مانيفستو لهذا المستقبل بشكل يبشر بأن تذهب ثمار ثوراتهم إلى مستحقيها.

 

الشباب الأربعة هم عزيز عمامى من تونس، وعلاء عبدالفتاح من مصر، ونبيلة المفتى من اليمن، وفتحى تربل من ليبيا، أكبرهم فى الأربعينيات وأصغرهم فى التاسعة والعشرين. من حيث الشكل الخارجى لا تلمس فارقا بينهم، فالرجال الثلاثة يرتدون البنطلون الجينز والحذاء الرياضى بمن فيهم فتحى تربل الذى يشغل حاليا وظيفة وزير الشباب والرياضة. لكن لباس عزيز عمامى هو وحده الذى يخطف البصر، تى شيرت أسود اللون عليه ثلاث طلقات رصاص مكتوب أسفلها باللغة الفرنسية «لعب أطفال»، والرسالة التى يبعث بها أن صاحب التى شيرت لا يعبأ بالسلاح فى يد السلطة. تاريخ الشباب الأربعة وتكوينهم الدراسى أيضا به قواطع مشتركة، اثنان منهم لهما خلفية تقنية معلوماتية هما علاء وعزيز والآخران أى نبيلة وفتحى بخلفية حقوقية، يبدو أن ثنائية المعلوماتية/ القانون هى التى سيكون لها القول الفصل فى المستقبل. تعرض الرجال الثلاثة للسجن آمادا مختلفة : فتحى وعزيز قبل الثورة، وعلاء بعدها، ومع أن نبيلة لم يطلها اعتقال إلا أنها وضعت نفسها بملء إرادتها فى مرماه، أولا بعضويتها فى التحالف المدنى للثورة الشبابية، وثانيا بمشاركتها فى تحالف نساء من أجل السلم والأمن الاجتماعى.

 

***

 

ترسم لنا سيناريوهات الشباب الأربعة صورا مختلفة للمستقبل، تدخل فى تكوينها مجموعة مركبة من العوامل كالتكوين الشخصى ،والموقع من السلطة والاتجاه السياسى ،والسياق المجتمعى. لذلك جاء كل من المانيفستو الخاص بعزيز وفتحى على طرفى نقيض. يعرف عزيز نفسه بأنه «أناركى عن حق»، يمارس التمرد دون أن يربطه حتما بنتيجة، حتى أنه حين راح يملأ استمارة طلب تأشيرة دخول الأراضى المصرية لم يفته أن يخط عبارة «يسقط يسقط حكم العسكر». لن يرى عبارته سوى إداريى السفارة ولن تصل إلى من يستهدفهم بها، لكنه سجل موقفا. يتصرف عزيز من موقع ثائر خارج السلطة، والأدق ثائر على كل سلطة، فهو ضد الدولة من حيث هى فى نظره أداة لإنتاج القمع وممارسة القهر. أما فتحى فإنه الوحيد الذى حملته الثورة إلى الحكم ولم تسجنه كما فعلت مع علاء مثلا. متحفظ فى سلوكه، دقيق فى التعريف بنفسه، حريص على أن تسجل الكاميرا كل سكناته، يحيطه ثلاثة رجال أينما حل، ويتحلى بجرأة كبيرة فى نقد ممارسات الثوار بعد التخلص من القذافى.

 

أنتج لنا نموذج عزيز مانيفستو أطلق عليه اسم «الحوكمة المفتوحة». والحوكمة لفظ شاع قبل عشر سنوات ويعنى الحكم الجيد أو الرشيد، أما كيف يصير هذا الحكم مفتوحا يقول عزيز إن ذلك من خلال إتاحة كل أرشيفات الحكومة أمام الإعلام، ومراجعة القانون باستمرار للحفاظ على التلازم بين الحرية المطلقة والعدالة. هذا المانيفستو اليوتوبى ــ الذى يرفض عزيز بإصرار وصفه باليوتوبية أو المثالية ــ لا يقدم لك شكلا للدولة، فهو يشتغل على الإنسان وسعادته ولا يتوقف أمام الإطار الذى يحتويه. ولأنه لا يعترف بأن الإنسان أنانى بطبعه ويعتبر أن هذه مقولة صدرها لنا توماس هوبز فصدقناها، لأنه لا يعترف بذلك فإنه لا يرى حاجة للدولة ولا يرى غضاضة فى اجتماع الحرية المطلقة مع العدالة. لطفا عزيز، لن ألفتك إلى مسار التاريخ السياسى الذى يثبت لك أنانية الفرد، لكن سآخذك إلى الواقع حيث تغرق ثوراتنا العربية حتى أذنيها فى الصراعات الشخصية.

 

***

 

على العكس تماما جاء مانيفستو ما أسميه «بناء الدولة من الصفر» الذى تبناه فتحى ذلك الثائر الذى انتقل إلى كرسى الحكم. على مدار أربعين عاما كاملة تماهى القذافى مع الدولة، فكان هو ليبيا وكانت لبيبا هو، لا دستور أو قانون، لا مؤسسات رسمية أو مجتمع مدنى، لا وجود حتى للمنافسين. مع كل ما علمناه عن جنون العظمة عند القذافى وولعه بأسطورة القائد الفرد من كان منا يتوقع أنه أنشأ قسما خاصا فى الأمن الداخلى الليبى مهمته مكافحة النجومية فى كل مجال من أول السياسة وحتى الرياضة أو الفن!. أى نفسيات مريضة حكمتنا طيلة عقود وعقود؟.عموما والحال هذه فإن السيناريو الذى يطرحه فتحى أقرب ما يكون لسيناريو بناء الدولة الوطنية بعد التخلص من الاستعمار، ولم لا وبعض الاستعمار قد يكون من داخلنا، والله عز وجل يقول «إن من أزواجكم وأولادكم عدوا لكم فاحذروهم». لكن لأن فتحى يتكلم من موقع سلطة فقد انتقد بشدة سيناريو عزيز العابر للدولة، واعتنى بالتأكيد على استحالة وجود العدالة المطلقة. فتحى يعرف أن كل هدف من ورائه التزام، لذلك كان من الطبيعى أن يقتصد فى وعوده ويتحفظ. ومع ذلك لم يجب فتحى عن سؤال حول شكل النظام الاقتصادى الذى يحقق العدالة حتى «النسبية» فى ظل تحديين أساسيين : انتشار السلاح والتغالب به، والحكم الذاتى لإقليم برقة حيث ثلثى النفط الليبى.

 

***

 

يتداخل مانيفستو علاء عبدالفتاح للمستقبل مع مانيفستو عزيز عمامى فى بعض جوانبه، لكنه لا يذهب إلى المدى البعيد الذى ذهب إليه عزيز فى تحدى مفهوم الدولة. علاء تحدث عن مانيفستو أطلق عليه «دولة التراضى»، وهى الدولة التى تصبح فيها اللوائح والقرارات حصيلة مواءمات وتوافقات مستمرة من أجل تحقيق مصالح الفئات الأكثر احتياجا، وهذه النقطة يتلاقى عندها علاء مع عزيز. لكنه على خلاف عزيز يخوض عميقا فى شرح تفاصيل «دولة التراضى» فيذكر أنها أولا دولة قانون، وثانيا دولة لا مركزية، وثالثا دولة عدالة اجتماعية واقتصاد تنموى، لا تُستخدم فيها قوة القمع أبدا إلا لحماية الضعفاء وتتحقق فيها الحرية شبه المطلقة. مع أن مانيفستو علاء كما قلت يتمايز نسبيا عن مانيفستو عزيز إلا أن الإشكالية التى تواجه كليهما واحدة وهى: كيف التوفيق بين الحرية شبه المطلقة أو المطلقة وبين روح القانون؟ كيف نتجنب التحول من ديكتاتورية الأغلبية البرلمانية التى قد تنتج قوانين تضر بالفقراء إلى ديكتاتورية الأغلبية الشعبية التى ترفض الاحتكام لأى قوانين لا تعجبها؟ لقد مثل علاء للقوانين الضارة بالضعفاء بقانونى تنظيم سير التوك توك وعمل المقاهى الشعبية، لكن فى غياب هذا التنظيم فإننا سننتهى لسيناريو الفوضى الشاملة.

 

***

 

من دون التحيز لها لكونها امرأة، فإن نبيلة المفتى بدت لى الوحيدة بين الثوار الأربعة التى تملك المفتاح الصحيح لفتح المستقبل على مانيفستو التغيير. فحين نتحدث عن أى تغيير تلزمنا رؤية استراتيجية تجهز النفوس لهذا التغيير، وتمهد البيئة لتقبل منظومة جديدة من القيم، وتوضح للجميع حدود الحركة. ومن هنا أهمية تركيز نبيلة على التعليم كأولوية أولى بعد الثورة. نعم تناولت نبيلة التنمية المتوازنة والحريات المدنية والسياسية، لكن التعليم عندها كان هو كلمة السر. استهجنت نبيلة تخصيص النظام السابق 4% من ميزانية الدولة للتعليم و60% للتسلح، أولا لأن الأمية تشيع بين 65% من أبناء اليمن، وثانيا لأن انتشار السلاح كان وبالا على اليمنيين فتحاربوا على مدار خمسين عاما بشراسة، وثالثا لأن التنشئة الاجتماعية والسياسية السليمة هى وحدها التى تحصن النشء ضد التعصب المذهبى وتمهد لانتقال الولاء من القبيلة للدولة. مانيفستو نبيلة الذى يبدأ بالتعليم ليس سهلا، فأصعب شىء هو تغيير القيم والاتجاهات، ويمكن أن نتصور مثلا حجم الممانعة لتنشئة ترفض « التخزين» أو تعاطى القات الذى لا ينجو منه يمنى إلا من رحم ربى، لكن لا بديل عن أولى خطوات طريق الألف ميل.

 

***

 

يحتاج ثوارنا الشباب أن يُنظروا للواقع انطلاقا منه لا أن يفارقوه بالمطلق فيطاردهم الإحباط دوما لأنهم لم يدركوا أحلامهم، ويحتاجون فى الوقت ذاته ألا يخلعوا الثورية على أعتاب المناصب الرسمية، فمن المزج بين الرومانسية الثورية والواقعية السياسية يتخلق مانيفستو أظنه يجسد حلم الأكثرية منا فى التغيير. 

نيفين مسعد أستاذة بكليّة الاقتصاد والعلوم السياسيّة جامعة القاهرة. عضو حاليّ فى المجلس القوميّ لحقوق الإنسان. شغلت سابقاً منصب وكيلة معهد البحوث والدراسات العربيّة ثمّ مديرته. وهي أيضاً عضو سابق فى المجلس القوميّ للمرأة. حائزة على درجتي الماجستير والدكتوراه من كليّة الاقتصاد والعلوم السياسيّة – جامعة القاهرة، ومتخصّصة فى فرع السياسة المقارنة وبشكلٍ أخصّ في النظم السياسيّة العربيّة. عضو اللجنة التنفيذية ومجلس أمناء مركز دراسات الوحدة العربية ببيروت. عضو لجنة الاقتصاد والعلوم السياسية بالمجلس الأعلى للثقافة. عضو الهيئة الاستشارية بمجلات المستقبل العربي والسياسة الدولية والديمقراطية
التعليقات