حافظة أوراق - نيفين مسعد - بوابة الشروق
الخميس 3 أبريل 2025 3:44 ص القاهرة

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تتوقع نجاح اتفاق الهدنة في غزة؟

حافظة أوراق

نشر فى : الخميس 10 نوفمبر 2011 - 10:00 ص | آخر تحديث : الخميس 10 نوفمبر 2011 - 10:00 ص

ضغطت سلوى على زرار الزجاج الكهربائى لنافذة السيارة كى تسمح للبخار المصنوع من أنفاسها وأنفاس ذلك الجالس إلى يسارها بأن يتسرب إلى الخارج. تعلقت ابتسامة تقطر أسى على جانب شفتها وهى تصف مجدى بأنه ذلك الجالس إلى يسارها مع أن له صفة أخرى هى « زوجها». راحت الدوائر المتقاطعة التى رسمتها على الزجاج تختفى شيئاً فشيئاً كلما انزلق الزجاج إلى أسفل، تمتمت بصوت خفيض: ها قد حان وقت انفصال الدوائر المتقاطعة، وأعادت مقعدها إلى الخلف واسترخت.

 

●●●

 

لم يكن خلافها مع مجدى صباح اليوم هو الأول من نوعه فالأصل فى علاقتهما المضطربة هو الخلاف. لم يكن حتى هذا الخلاف هو الأعنف فى تاريخهما. فأعنف منه كان خلافه معها عندما أصَر على أن تترك العمل وتتفرغ للأولاد، وعندما رفض أن تشترى سيارة خاصة بحُر مالها لأنه لا مبرر لها فى رأيه، وعندما استشاط غضباً لأن زميلها فى العمل سأل عنها فى محنة مرضها الأخير. هو دائماً يختلف معها على أرضيتها هى، لكن ولا مرة نجحت فى أن تنقل المعركة إلى أرضه هو و ناسه وعلاقاته، هى لم تحاول أصلاً. وفى كل المرات كانا يتراضيان عند نقطة وسط، لا لم يكونا يتراضيان بل كانت هى التى تخضع له. تعمل لكن بنصف جهد ونصف مستقبل، تنتقل بصحبته وفى سيارته هو و يذهب معها إلى مشاويرها، تقيم علاقات عملها وجيرتها وصداقتها على هواه. انسدلت ستارة الدموع المتحجرة فى مآقيها، وهى تتصفح خمس عشرة من صفحات عمرها، فحجبت عن ناظرها مشاهد الناس والدواب والسيارات، لم تكن تحتاج أن تراها فهى تحفظها عن ظهر قلب، ليتها تنساها.

 

لكن رغم كل شىء كانت سلوى توقن أن موقف الصباح سوف يفجر أزمة كبرى فى علاقتها بمجدى. كان ينتظرها ممسكاً باب الأسانسير كعادته عندما أغلقت باب الشقة وتحاشت النظر فى عينيه قائلة فى لامبالاة مصطنعة: عندما نعود أرجوك أعطنى حافظة أوراقى. ترك مجدى باب الأسانسير وتفرغ بالكامل لتعبير الدهشة الذى افترش وجهه، فاستطردت سلوى ترد على سؤال لم يطرحه عليها: أريد أن تكون معى حافظة أوراقى، فيها حاجة دى ؟ أعاد طلب الأسانسير فى عصبية زائدة و دخله وهى خلفه ثم لم يتبادلا حرفاً.

 

●●●

 

فى تلك الحافظة كان مجدى يجمع لها كل ما يخصها من أوراق: الباسبور، كارنيه النقابة، بطاقة النادى، إيصالات الأمانة المتبقية عليها من قيمة تجديد أنتريه الشقة، شهادات الدراسة، قرارات الترقية، خطاباتها له فى الأيام الخوالى.. كل شئ بالمعنى الحرفى للكلمة. لم تنتبه وسط مشاغل الحياة وأيضاً بسبب قلة خبرتها بالبشر إلى أنها من غير حافظة أوراقها تتحول إلى امرأة بلا ذاكرة أو هوية، حولها مجدى إلى ما يشبه البدون فى دول الخليج وأصبح هو مفتاحها للعمل والنادى والنقابة والسفر والحياة. يفتح لها لتجرى المعاملة التى يرتضيها ثم يعيدها حبيسة الحافظة المؤممة ويوصد باب الخزانة بالمفتاح. فى ساعات الصفاء القليلة فى علاقتهما الممتدة لخمس عشرة عاماً كانت أحياناً تسأله فى دلال: لماذا تحتفظ معك بأوراقى ؟ وكان يرد فى اقتضاب: لأحافظ لكِ عليها. لم تنتبه إلى أن رده يتهمها ضمناً بالتقصير.

 

تعترف سلوى بينها وبين نفسها أن موقف هذا الصباح كانت تخطط له من زمن، وأنها كانت واثقة حين طلبت حافظة أوراقها من مجدى أنها تضرب على وتر حساس فى علاقتهما لأنها تسترد منه مفتاح نفسها، وتأخذ عصمتها بيدها. وكمعظم رجال الشرق لم يكن يتصور مجدى أن تكون عصمة زوجته فى يدها. لا تفسير محدداً لتوقيت اختيارها تفجير علاقتها بمجدى، فسؤال لماذا الآن سيظل معلقاً فى رقبتها سواء هى اختارت المواجهة أمس أو اليوم أو غداً فجميع الأوقات مواتية، وكل ما كانت تحتاج إليه هو أن تستجمع أطراف شجاعتها وأن تكون مستعدة لدفع ثمن قرارها: الوحدة وكلام الناس وتحمل مسئولية نفسها لأول مرة والحرمان من عصافير الكناريا التى تتبادل معها الشكوى والرجاء، وفى هذا الصباح وجدت أنها قادرة على أن تتحدى، أو توسمت فى نفسها القدرة على ذلك. ضغطت سلوى من جديد على زرار الزجاج الكهربائى فتجدد الهواء وقل شعورها بالاختناق.

 

●●●

 

توقفت السيارة عند باب المصلحة التى تعمل فيها فأخذتها من شرودها، فتحت باب السيارة وهمت بالخروج فجذبها مجدى من ذراعها فى خشونة سائلاً: ماذا بشأن الحافظة؟ استردت يُسراها وردت فى تحدٍ بصوت يسمعه ذلك الجالس إلى جوارها: سآخذها. أدار مفتاح التشغيل و انطلق بالسيارة كأنه قذيقة، أما هى فخاضت فى ماء الطريق القذر ولم تعبأ. تطلعت إلى لافتة متربة تتدلى من إحدى الشرف المطلة على مصلحتها كتب عليها: يسقط يسقط حسنى مبارك فابتسمت. ضمت ذراعيها لتحتضن لا شىء وركضت كطفلة فى اتجاه المصلحة.

 

نيفين مسعد أستاذة بكليّة الاقتصاد والعلوم السياسيّة جامعة القاهرة. عضو حاليّ فى المجلس القوميّ لحقوق الإنسان. شغلت سابقاً منصب وكيلة معهد البحوث والدراسات العربيّة ثمّ مديرته. وهي أيضاً عضو سابق فى المجلس القوميّ للمرأة. حائزة على درجتي الماجستير والدكتوراه من كليّة الاقتصاد والعلوم السياسيّة – جامعة القاهرة، ومتخصّصة فى فرع السياسة المقارنة وبشكلٍ أخصّ في النظم السياسيّة العربيّة. عضو اللجنة التنفيذية ومجلس أمناء مركز دراسات الوحدة العربية ببيروت. عضو لجنة الاقتصاد والعلوم السياسية بالمجلس الأعلى للثقافة. عضو الهيئة الاستشارية بمجلات المستقبل العربي والسياسة الدولية والديمقراطية
التعليقات