نعم يبدو أن مصر فى ذروة إحساسها بذاتها، بمجدها. لكن أليست مصر التى نطلق عليها هذا الوصف هى نفسها مصر التى تواجه مشكلات يصعب القول بأنها مرت بها من قبل؟
يبدو إحساس مصر بأنها فى ذروة مجدها هذه الأيام متجليا فى استعادتها تاريخها المجيد فى أزمنة الفراعنة وتاريخها المجيد وهى تعبر حقبة الصعود المسيحى الذى قادت فيه العالم وقتها، ثم وهى تستعيد أحقاب الانتشار والانتصار الإسلامى بعد ذلك، وتستعيد فيما بعد مجد التفوق على الدولة العثمانية لتصبح تحت حكم محمد على عنوانا للانتصار والتقدم، حتى دخلت عهد ثورتها العظيمة فى عام 1952 بقيادة جمال عبدالناصر التى لم تستطع أن تميتها هزيمة 1967 لتخلق لمستقبلها انتصار أكتوبر 1973. واليوم فإن مصر تستعيد أمجادها وهى تمر بما يمكن اعتباره أزمة مالية قاسية.
مصر تتحدث هذه الأيام عن أروع ما فى تاريخها من لحظات وأزمنة. تستعيد إنجازاتها الحضارية وانتصاراتها العسكرية وهى تعيش فى وسط أكثر أزماتها قسوة على جماهيرها.
هل تتناقض مصر مع نفسها ومع تاريخها، أم أنها تفعل ما تفعله الأمم الأخرى فى مثل ظروفها؟
•••
الحقيقة هى أن مصر لا تختلف فى هذا السلوك العظيم عن أمم أخرى كانت ظروفها على درجة عالية من القسوة عندما اختارت لكى تتجاوزها أن تذكّر نفسها بالماضى التليد وبدورها فى الصعود فى مواجهة الأخطار. كانت أمريكا فى لحظات من تاريخها تواجه خطر التراجع عن ثورتها وعن تاريخها وأحلامها بمستقبل عظيم عندما واجهت خطر أنصار العبودية والتخلف كوسيلة وحيدة للصعود والتفوق. وفى عز زمن المواجهة بين انصار التحرر وأنصار العبودية للسود رفعت أمريكا شعارات ماضيها القصير المتحرر والساعى نحو الصعود والوحدة واستطاعت فى زمن الحرب الأهلية أن تنتصر على أنصار العبودية المتزمتين وأن تبدأ عهدا أوصلها إلى زعامة عالمية غير مسبوقة.
روسيا بالمثل واجهت النازية الألمانية فى سنوات الحرب العالمية الثانية برفع شعارات فترات سابقة كانت قد قررت نسيانها لحساب النظام الشيوعى الجديد وعادت فتذكرتها بقوة وحماس لصالح التخلص من الحصار النازى الذى بدا كأنه أقدر على هزيمتها. ومن الحصار خرجت روسيا منتصرة متقدمة حتى أنها سبقت الحلفاء الرأسماليين إلى محاصرة برلين وغزوها والانتصار عليها.
فرنسا بالمثل رفعت شعارات ثوراتها السابقة القديمة لكى تمهد لانتصارها على ألمانيا النازية وكان الانتصار الألمانى على فرنسا أوضح ما يكون فى ذلك الوقت. ولكن فرنسا استعانت بماضيها المنتصر لتحقيق انتصار على النازيين الاقوياء.
والآن سيتعين على مصر أن تخرج من كبوة الأزمات الاقتصادية والمالية لتتمكن من الفوز على من يريد لها أن تقع تحت طائلة الحصار أو الاستسلام أو التقسيم. وهذه كلها أخطار تبدو فى الأفق المصرى تشكل خطرا جسيما. ولكن مصر تتذكر أمجادها وسط هذه الأخطار كلها وتستعين بذاكرتها قبل وفوق كل شىء لتستعيد مجدها.
ومن الواضح أن مصر ستتمكن يقينا من بلوغ أهدافها الوطنية والقومية، وستتغلب على كل المصاعب التى تواجهها. والأمر الذى لا شك فيه أن مصر بدأت رحلة انتصارها ابتداء من ثورتها المتجددة فى 30 يونيو 2013. بدأت هذه الرحلة الصعبة وهى ترفع شعارات التغلب على الظروف الصعبة والأعداء الكامنين فى أركان بعضها داخل مصر وأكثرها خارجها.
ليس فى الأمر سر غامض. إنما المسألة أن مصر تلجأ لإحساسها بالمجد وهى فى قمة المواجهة مع المصاعب العسيرة. مصر لا تنسى أبدا ماضيها كدولة عظيمة ورائدة للتقدم فى منطقتها. مصر تتذكر بالأحرى أن لها فى هذا العالم مكانة لا يمكن أن تخبو أو أن تضيع أمام تحديات بعضها عرفته مصر من قبل فى تاريخها الطويل وبعضها يبدو أكثر صعوبة مما مضى. ويكفى أن مصر تعرف جيدا وهى فى ذروة الأزمة أن الأزمات تقع فى طريق الأمم، وأن الأمم المدركة بوعى حقيقى أن مصيرها لا تحدده الأزمات إنما تحدده طريقتها فى مواجهة الأزمات. ولقد عرفت مصر قبل غيرها فى التاريخ أن مواجهة الأزمات لا تكون بأى من طرق الاستسلام إنما تكون بطرق المقاومة والتصدى. وأحد أهم هذه الطرق هى استعادة الماضى المجيد بما له من قوة وقدرة على المواجهة حتى تحقيق النصر، سواء كان نصرا على عدو مسلح ــ وهذا ما تواجهه مصر الآن فى سيناء ــ أو نصرا على المصاعب والأزمات والمؤامرات الداخلية والخارجية.
•••
إن مصر اليوم تحلق فى ذروة احساس قوى بالمجد. وباستطاعتها يقينا أن تستخدم هذا الشعور الوطنى والقومى فى التغلب على المصاعب التى تواجهها. وضمن ما تواجهه أخطار جسيمة بعضها عسكرى خارجى وبعضها مسلح داخلى وبعضها الآخر يتمثل فى الصعوبات الاقتصادية والمالية. ولكن هذه الأخطار تبدو لأعين الشعب المصرى صغيرة إلى حد أن الشعب المصرى يواجهها بثقة دون أن يعتبرها تشكل تحديات كبيرة له.
نحن لا نقول إنه يكفى أن يتذكر الشعب المصرى تاريخه فى التغلب على التحديات. إنه يحتاج لأن يتصدى لهذه التحديات والصعاب مستخدما خبراته السابقة ومرددا فى الوقت نفسه شعارات الفوز والنصر على أعدائه وعلى المخاطر المحدقة. وهو نصر مؤكد.