الأبعاد السيكولوجية لمسألة التوريث - سمير كرم - بوابة الشروق
الجمعة 4 أبريل 2025 7:35 م القاهرة

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تتوقع نجاح اتفاق الهدنة في غزة؟

الأبعاد السيكولوجية لمسألة التوريث

نشر فى : الثلاثاء 11 أغسطس 2009 - 8:55 م | آخر تحديث : الثلاثاء 11 أغسطس 2009 - 8:55 م

 بصراحة لا نستطيع أن نبدأ تناول موضوع كهذا بادعاء السذاجة، كأن نقول ــ مثلا ــ أن الصبى «شيطان» فى لعبة الكبار الذين تربى حولهم وهم يمارسون لعبة السلطة. على الرغم من أن هذا هو المدخل الحقيقى إلى تفسير مستمد من نظرية أوديب التى قال بها فرويد مستعينا بمعنى الأسطورة الإغريقية فى غيرة الابن من ابيه ورغبته فى أن يحل محله.

فى حالة الصراع الأوديبى هذه يحاول الابن أن يتفوق على ابيه لا أن يحل محله فحسب، وذلك ليحقق شيئا لا ينسب إلى أبيه. وفى الحالات القصوى يتمثل الصراع فى رغبة لغياب الأب لتولى دوره، وهو الذى يمثل بالنسبة للابن منافسا قويا وخطرا وسعيدا فى وقت واحد.

قد يكون لهذا الكلام قدر من الصحة ولكنه لا يدخل بنا إلى معالجة «علمية» لمسالة الدوافع السيكولوجية فى الرغبة فى السلطة ــ فى حالتنا هذه الرغبة فى وراثتها ــ وإذا أردنا نظرة «علمية» إلى المسالة ليس أمامنا إلا أحد طريقين، أو هما معا: طريق علم النفس المرضى وطريق علم النفس السياسى.

وقبل أن يدهش أحد من اختيار علم النفس المرضى فإن المقصود هنا هو الزاوية التى يتناول منها علم النفس موضوع جنون العظمة (وعلماء النفس لا يستخدمون تعبير الجنون ويفضلون مصطلح الهذيان) وهو نفسه هذيان الاضطهاد ويسمى فى الحالتين «البارانويا».

ولا نستطيع ــ مبدئيا ــ أن نهرب من احتمال أن يكون هذا السعى الحثيث إلى وراثة السلطة نوعا من هذيان العظمة الذى يصور للمصاب أنه جدير بمكانة عليا فى مجتمعه، سواء كان هذا المجتمع مدرسة أو قرية أو منظمة سياسية... أو بلدا بأكمله. وبطبيعة الحال فإن درجة هذيان العظمة تكبر كلما كبرت دائرة المجتمع الذى يريد الشخص أن يمارس عليه عظمته.

المهم أنه فى هذا المضمار يقصد البحث النفسى فى شخصية من يسعى لتحقيق مثل هذا الهدف إلى التعمق فى فهم الدافع أو الدوافع لدى الشخص، وإلى فهم السمات والأعراض النفسية له.

وأول ما يسجل فى هذا المجال أعراض «اعتبار الذات المغالى فيه» ــ «غياب المرونة فى الاستدلال» ــ «التكبر الفردى» ــ «السلطوية» ــ «فقدان القدرة على التسامح» ــ «العجز عن النقد الذاتى». إن هذا الشخص بوصفه معجبا بنفسه يكره الألفة والمزاح ويكون محبا للانتقام ويرتاب فى أن الآخرين ينصبون له أفخاخا. يتسم أيضا بأنه ــ وإن كان على مستوى عقلى جيد ــ فإنه يندفع إلى إصدار أحكام فاسدة، خاصة إذا كان الأمر يتصل بحياته الوجدانية.

وتتكون هذيانات البارانويا من فكرة أو عدة أفكار ليس لها فى الأغلب أساس موضوعى، ولكن الفرد يتبناها كليا، ويبنيها بصورة منطقية ومنظمة وبالحجة المقنعة على النحو الذى يصبح من الممكن معه زعزعة قناعات الآخرين. يضاف إلى هذا ما يسمى هذيان المطالبة، حيث الفكرة الغالبة هى الاقتناع بأنه ضحية سلب أو إحباط وحرمان من حقه (فى ميراث أو اكتشاف... إلخ). مع ذلك يتمحور الشخص فى هذه الحالة على ذاته وعلى علاقاته الاجتماعية ويصبح محصور الاهتمام بموضوع خاص يشغله دون غيره.

أما إذا تطرقنا إلى الموضوع نفسه بمناهج ونظريات علم النفس السياسى فإننا ــ وباختصار شديد ــ نجد أنفسنا أمام ظاهرة «الزعامة»، وكانت تسمى قبل ذلك «البطولة». ولا يكاد يخرج تشخيص السعى نحو استخدام «علم نفس الأعماق» فى سبر الشخصية القيادية.

ويعد توماس كارلايل من رواد علم النفس السياسى الأوائل مع أنه كان فى الأساس مؤرخا وكاتب سير. وهو صاحب النظرية التى يدين بها جانب كبير من المتخصصين فى علم النفس السياسى. وهى أن تاريخ العالم ليس سوى سيرة حياة رجال عظماء.. وأن فعلا عظيما من أفعال القيادة هو نتاج مشترك لفرد وموقف.

وعلى النقيض من كارلايل يأتى الروائى والمفكر الروسى ليو تولستوى الذى تبنى نظرية فى القيادة تذهب إلى أن الشخصيات التى نظن أنها عظيمة فى التاريخ ــ مثل نابليون ــ لم يكن لها قدر ولو ضئيل من السيطرة على الأحداث، فضلا عن أن تكون صانعة لها.

وبين كارلايل وتولستوى تكاد تقع معظم نظريات علم النفس السياسى عن القيادة أو البطولة. إنما يلاحظ ــ مع استمرار تاثيرهما ــ أن العلماء الأمريكيين وهم أبرز المتخصصين فى هذا المجال ــ مالوا فى السنوات العشرين الأخيرة إلى الاعتقاد بأن الشعب الأمريكى أصبح يميل إلى انتخاب زعماء له وليس فقط رؤساء. وذلك باعتبار أن الزعماء يشكلون الأحداث بينما الرؤساء يكونون ردود أفعال تجاهها فحسب.

ويمكننا أن نعمم فنقول إن مصر اعتادت على أن يكون رؤساؤها زعماء بهذا المعنى منذ عهد محمد على. ونستطيع بالتالى أن نستنتج أن من يسعى لتولى الرئاسة ــ خاصة عن طريق التوريث ــ إنما يريد أن يكون زعيما، لا مجرد رئيس.

والسمة الأهم فى الزعامة أن الزعيم لا تحكمه قيود سياسية أو اجتماعية أو قانونية، وأن دوره يتطلب أن يتمتع بسلطات تاريخية وأن يكون حكما على التيارات الاجتماعية.

وبهذا المعنى فإن من يرث الرئاسة لا يرث الزعامة.. فهذه الصفة لا تأتى بطبيعتها بالوراثة. إنما تأتى بالأفعال والقدرة على التأثير فى التاريخ، أى بعد ممارسة السلطة لوقت كاف وليس بمجرد الحصول عليها. والقيادة السياسية تتطلب ــ وهو ما لا تتطلبه الرئاسة ــ مهارات ترجمة القدرة على تكوين أحكام صائبة إلى سياسة فعالة ونتائج.
العملية ــ إذن ــ أعقد من رغبة شخص فى أن يرث الرئاسة.. خاصة فى مجتمع يواجهه المجتمع المصرى من مشكلات وأزمات بالغة التعقيد.



سمير كرم  كاتب سياسي مصري
التعليقات