مصر التى لم تولد بعد.. - سمير كرم - بوابة الشروق
الجمعة 4 أبريل 2025 7:43 م القاهرة

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تتوقع نجاح اتفاق الهدنة في غزة؟

مصر التى لم تولد بعد..

نشر فى : الأربعاء 11 نوفمبر 2009 - 10:13 ص | آخر تحديث : الأربعاء 11 نوفمبر 2009 - 10:13 ص

 حتى وقت قريب كانت القوى ــ بالأحرى العناصر ــ الداعية إلى التوريث السياسى كحل لمعضلة «مرحلة ما بعد مبارك» هى وحدها التى تتحدث بلغة سياسية يفهم منها أنها تنظر إلى مصر نظرتها إلى دولة فى حالة طفولة. إن مصر الوطن ليست أكثر من طفل لم يبلغ سن الرشد بعد.

لكن مناقشات الأسابيع الأخيرة ــ بما فيها مناقشات المؤتمر السادس للحزب الوطنى الحاكم وما سبقها وما لحق به ــ توحى بأن معظم القوى المشاركة فى هذه المناقشات، وعلى اختلاف مواقعها، تعبر عن آراء يكمن وراءها اقتناع ــ أو على الأقل شعور ــ بأن مصر سيأتى ميلادها كدولة يوم انتخاب رئيسها الجديد فى عام 2011...

فإذا كان ذلك بإعلان الرئيس مبارك ترشيح نفسه لفترة رئاسة سادسة فإنه يعنى أنه على ثقة تامة مطلقة بأنه سينتخب، وإذا كان ذلك بإعلان تقديم الرئاسة على طبق من ذهب للوريث جمال مبارك، فإنه يعنى أن الجماعات المؤيدة له ستكون قد اتخذت جميع الإجراءات التى تضمن له تولى العرش خلفا لوالده.

أما إذا كان ذلك بإعلان تحدى عدد من المرشحين ــ بأنفسهم أو بدعم من قوى سياسية معارضة للتوريث ــ فإن مصر «ستشهد» أحد طريقين: إما اتفاق هذه القوى على مرشح واحد من هؤلاء، أو أنهم ــ جميعهم أو بعضهم ــ سيخوضون الانتخابات معا لعلها تسفر عن فوز واضح لواحد منهم.

فى كل الأحوال فإن الجميع يتبارون فى التعبير عن وجهات نظرهم بطريقة تظهر مصر وكأنها تستعد ليوم ميلادها كدولة.

بمعنى أوضح، فإن مناقشات التوريث أو اللا توريث تظهر أشد ما تكون شبها بالمناقشات التى سبقت ــ ومعذرة للمقارنة ــ تلك التى سادت المؤتمر الصهيونى الذى سبق إعلان قيام إسرائيل. وتبدو مصر اليوم وكان يوم الانتخابات الرئاسية فى سنة 2011 سيكون أشبه بيوم 14 مايو 1948 الذى أعلن فيه قيام دولة إسرائيل.

عاشت إسرائيل شهورا طويلة فى حالة تردد، يعرض قادة المؤتمر الصهيونى وقادة الميليشيات، التى حاربت من أجل «استقلالها»، رئاستها الأولى على ألبرت إينشتاين العالم اليهودى الأبرز فى العالم كله والحائز على جائزة نوبل فى الفيزياء (فى عام 1921)، فيرفضها لأنه يعلم أن زعماء الميليشيات أصحاب الكلمة الأخيرة فى كل الشئون الإسرائيلية يعتبرون رئاسته لإسرائيل الضمان الأكبر لحصولها على أسرار القنبلة الذرية.

وكان اينشتاين معارضا لإسرائيل دولة يهودية نووية. عندئذ يتحول اهتمام قادة إسرائيل إلى حاييم وايزمان عالم الكيمياء اليهودى الأشهر فى عصره على نطاق أوروبى وعالمى.. تأكيدا لتفوق اليهود العلمى. ويقبل وايزمان رئاسة إسرائيل.

خلال ذلك كان هناك من يتحمسون لديفيد بن جوريون رئيسا أول لإسرائيل، ولم يكن بن جوريون متحمسا لأنه كان يعرف أنه كرئيس للجمهورية لن يكون من صناع القرار الحقيقيين، سيكون مجرد رئيس رمزى للدولة، بينما يكون الحكم بيد رئيس الوزراء، لهذا آثر بن جوريون الخروج من قائمة المرشحين لرئاسة جمهورية إسرائيل.

كل هذا لا يهم سوى فى انه يعطى الدليل على أن مصر تعامل من قبل المرشحين للرئاسة والذين يرشحونهم لها ــ ابتداء من جمال مبارك، إلى الدكتور محمد البرادعى مدير الوكالة الدولية للطاقة الذرية، إلى الحائز على جائزة نوبل الدكتور زويل، وصولا إلى عمرو موسى وزير الخارجية الأسبق والأمين العام الحالى للجامعة العربية ــ على أنها دولة حديثة التأسيس.. وينظر إلى تاريخ انتخابات الرئاسة فيها على أنه تاريخ ميلادها.

أقل ما يمكن أن يقال فى هذا إنه أمر لا يليق أبدا بمكانة أقدم بلد.. أقدم حضارة.. أقدم دولة فى الوجود. وهذا يعنى ــ فى مجموعه ــ أقدم شعب فى الوجود ثم فى التاريخ.

وقد بدا ــ حتى الآن على الأقل ــ أن الجميع ومن مواقف متناقضة متعارضة بشأن اختيار الرئيس القادم آثروا اتخاذ موقف الانتظار. حتى أنصار التوريث وجمعيات المنتفعين التى تتحمس له، خاصة داخل الحزب الحاكم، آثروا اتخاذ موقف الانتظار لمعرفة ما ستسفر عنه الأمور عند إعلان الدولة، كيف سيكون موقف الرئيس الحالى، يجدد ترشيحه أو لا يجدده؟ كيف سيكون موقف أصحاب الأسماء التى ظهرت كمرشحين بفعل حماس قوى من المعارضة السياسية، كل واحد من هؤلاء المرشحين عندما يقترب موعد إعلان ميلاد الدولة الجديدة.

بل لقد بدا بوضوح أن أكثر المرشحين إصرارا على «سياسة الغموض» هو مرشح التوريث مبارك الابن. لقد مارس أقصى ما يستطيع رجل سياسة من امتناع عن تحديد موقف له من هذا الترشيح ــ التوريث، وكأنه لا يكتفى بمعرفة موقف الجماهير ولا حتى معرفة الموقف من الترشيح داخل حزبه الحاكم وهو فى حالة الانقسام بشأنه.

انه بانتظار أمر آخر ليس هو الإرادة الشعبية ولا هو قدرة الكوادر التى وضعت نفسها فى خدمة التوريث منذ عدة سنوات. بل لقد ذهب مرشح التوريث الجمهورى إلى حد الإساءة ــ ربما من حيث لا يدرى ــ إلى الإرادة الشعبية قبل وقت من المعركة الفاصلة. أعلن فى المؤتمر السادس للحزب أخيرا: «نحن غير مطالبين بتحديد اسم مرشح الحزب الوطنى من الآن».

كيف يقال هذا بعد كل الجدال الذى دار حول مسالة التوريث داخل الحزب وخارجه؟ ثم من الذى يحدد إذا كان الحزب (أو جمال مبارك نفسه) مطالبا أو غير مطالب بشىء ما من قبل الجماهير؟ هل هو الحزب نفسه أو جمال مبارك شخصيا؟

أظن أن الإجابة التى تعمل أبسط حساب للناس، للجماهير، أى للإرادة الشعبية تقول إنها الجماهير وحدها. وقد طال انتظار الجماهير لمعرفة قرار أصحاب القرار بشأن الترشيح، أى بشأن التوريث وقد اكتسب أهمية لا مثيل لها.

لكن الحزب الوطنى ومبارك الابن يتعاملان مع مصر وكأنها لم تعلن بعد دولة.. بانتظار لحظة الميلاد للقفز على رئاستها.

لا نستطيع أن نستثنى ما عبر عنه الأستاذ محمد حسنين هيكل. لقد قدم كعادته تحليلا رائعا للوضع الراهن الذى تجد مصر نفسها فيه.. ولكنه عندما أوصى اقترح تشكيل مجلس من المستشارين مهمتهم التفكير والحوار من أجل إعادة بناء الدولة المصرية فى ظل عقد اجتماعى جديد. هكذا يتضح أن الأستاذ هيكل يدرك أن اقتراحه يقع فى الفئة نفسها من الآراء ــ أو غيابها التى ترتكز على اعتقاد بأن مصر لم تولد كدولة بعد.

الاقتراح الذى يقول به الأستاذ هيكل يقربنا أيضا من فكرة المؤتمر الذى يسبق إعلان دولة جديدة.. فيه تناقش عملية البناء من أولها، وفيه تحدد العلاقات بين الشعب من المدنيين والقوات المسلحة.
فى البداية كانت مشكلة التوريث، ولكنها ــ مع هذه التطورات ــ تأخذ حجما أكبر من حجمها الطبيعى. تتضاءل الآن أمام مشكلة التوريث مشكلات مصر الحقيقية: من الفقر والتفاوت الرهيب فى حياة البشر المصريين، بين رجال السلطة ورجال الأعمال، إلى فقدان دور مصر القومى والإقليمى أمام التيار الجارف للنفوذ الأمريكى والخوف الذى يحكم حكامنا من قوة إسرائيل التى لم تعد بالفعل مخيفة.

أما مصر التى لم تولد بعد فيمكن الجزم بأن معرفتهم بها أقل كثيرا من معرفتهم بمصر الماضى ومصر الحضارة والدولة والخبرات المتراكمة.


سمير كرم  كاتب سياسي مصري
التعليقات