هذه هى المرة الأولى التى أكتب فيها مقالا لم أختر موضوعه، إنما يفرض موضوعه نفسه عليّ وعلى عقلى بل وعلى وجدانى. ولكن هذا الموضوع لا مفر من تناوله.
الأمر يتعلق بشخص الزعيم جمال عبدالناصر. ولقد تعرض جمال عبدالناصر طوال حياته وطوال الزمن الذى انقضى منذ وفاته الى هجمات وانتقادات تجاوز بعضها الحدود السياسية والأخلاقية التى حددها التاريخ لسيرة هذا الزعيم. ولكن ما تعرض له هذه المرة تجاوز كل القواعد، بل تجاوز العقل والسياسة والتاريخ والاخلاق.
بمناسبة ذكرى الخامس من يونيو 1967 انتهز السيد حازم أبواسماعيل ــ وهو لا يحتاج الى تعريف أو توصيف ــ الفرصة ليقول رأيه فى تلك الهزيمة. وكان قد سبق له أن قدم كمرشح للرئاسة من الأدلة ما يكفى على تطرفه الذهنى والأخلاقى والسياسى من البداية حتى اضطر الى الخروج من المعركة. لكنه عندما حلت الذكرى المشئومة قرر أن يقدم نظرية متكاملة عن تلك الهزيمة المريرة.
قال إن حرب يونيو 67 كانت تمثيلية مدبرة بين جمال عبد الناصر وقادة إسرائيل. وقال إن جمال عبد الناصر كان جاسوسا لإسرائيل. وقال إن بنود الاتفاق بين الجاسوس وإسرائيل تقضى بأن تلحق هزيمة كاملة بمصر فى تلك الحرب ثم كانت تقضى أيضا ــ حتى بعد أن توفى جمال عبد الناصر ــ بانتصار مصر فى حرب 1973.
التفاصيل لا تغير شيئا. إنما لا يمكن قراءة هذا السيناريو الفذ ــ جنونا أو عبقرية ــ دون الاستنتاج بأن الشعب المصرى، والشعب العربى بأكمله، مختل العقل أو بلا عقل تماما. وأن كل الذين كانوا يحيطون بعبدالناصر فى ذلك الوقت كانوا على الأقل جواسيس لإسرائيل حتى يطاوعوا زعيمهم على ترك الامور تتردى الى هذا الحد فتصاب مصر بهزيمة من هذا القبيل الذى لا قبيل له.
هذا اتهام للشعب المصرى بأنه فاقد العقل كلية فى استسلامه لهذه الخطة الجهنمية التى مكنت إسرائيل من السيطرة على سيناء المصرية والجولان السورية والضفة الغربية لنهر الأردن. هذا اتهام لكل القادة والمسئولين العرب بأنهم كانوا جواسيس بالمثل أو بأنهم تآمروا للتغطية على جمال عبد الناصر وعلى الشعب المصرى فى جريمة تدبير هزيمة بهذا الحجم فى مواجهة إسرائيل.
ذلك انه ليس من المتصور ولا من المعقول أن تبقى «تمثيلية» هزيمة عبدالناصر غير معروفة ولا مفهومة حتى بعد أن ينتهى الغرض منها بتنفيذ فصولها كاملة. ذلك انه ليس من المتصور ولا المعقول ألا يكشف الشعب المصرى عن حقيقة دور رئيسه فى هذه الهزيمة، اذا كانت مجرد تمثيلية فرضت على قيادته وعليه وفرضت كل نتائجها على الواقع المصرى.
ترى هل خرج الشعب المصرى فى التاسع والعاشر من يونيو مطالبا ببقاء عبد الناصر فى موقع القيادة وهو ــ اى الشعب المصرى ــ يعرف أن عبد الناصر جاسوس وان الهزيمة كانت باتفاق بين جاسوس اسرائيل وقادة اسرائيل؟ أم أن الشعب المصرى خدع ثلاث مرات: مرة فى تسليمه بأن الهزيمة لم تكن تمثيلية مدبرة، ومرة فى أن جمال عبد الناصر هو نفسه يمكن أن يقود مصر من جديد.. الى انتصار تمثيلى كبير، ومرة ثالثة الى التسليم لأنور السادات للقيام ببقية الدور الذى بدأه سلفه؟
•••
إن التمثيلية نفسها تفرض تصورا بأن حرب الاستنزاف التى بدأت بإغراق المدمرة الإسرائيلية ايلات ثم فتحت سيناء جبهة لاستنزاف إسرائيل وقواتها كانت بدورها جزءا من الخدعة التى شارك فيها عبدالناصر إسرائيل. بل إن تدخل القوى العالمية بما فيها الأمم المتحدة والولايات المتحدة بعد ذلك لإنهاء الوضع الذى خلقته الهزيمة المصرية والعربية لابد أن يحسب جزءا من السيناريو المعد مسبقا، وبالتالى لابد من اعتبار العالم كله بمواقفه المختلفة جزءا من المؤامرة الإسرائيلية الناصرية.
وفاة عبد الناصر فى ذلك الوقت وبعد ثلاثة اعوام من هزيمة يونيو لابد بدورها كانت جزءا من التمثيلية الخادعة. وربما نتساءل بالتالى هل مات جمال عبد الناصر موتا طبيعيا أم أن موته كان قتلا لإكمال الخدعة؟ هل كان موته جزءا من التمثيلية الكبيرة وهل كان بمشاركة انور السادات ومعرفته؟
أغرب من هذا كله أن تشارك اسرائيل بنفسها بقادتها الذين صنعوا لها انتصار يونيو 67 فى إلحاق الهزيمة بنفسها فى حرب اكتوبر 73. لا يمكن تفسير هذا الخلط إلا بأن أمريكا اصرت على هزيمة إسرائيلية لإكمال سيناريو 67 واجبرت إسرائيل على قبول الهزيمة بعد ذلك بأكثر قليلا من ست سنوات. والحقيقة انه لا يمكن اتهام الولايات المتحدة بالتواطؤ ضد إسرائيل الى هذا الحد فهى لا تزال ترعى مصالح إسرائيل الاستراتيجية والسياسية بما لا يسمح بتصور دور لها فى هذه المهزلة.
ويبقى أن نتساءل أين كان الإسلاميون والسلفيون والإخوان المسلمون ليتركوا هذه الخدع تنطلى على الشعب المصرى؟ لقد كان زعماؤهم فى مواقع فى خارج مصر داخل الوطن العربى يستطيعون منها أن يذيعوا وينشروا كل ما يريدون.
لن يغفر الشعب المصرى هذه الاكاذيب ضده وضد تاريخه. أما أن تصل الظنون الى هذا الحد ضد عبد الناصر وضد مصر فهو أمر لا يصدقه عقل.