أوحى لى الدكتور إسلام بحيرى الذى يصف نفسه بأنه باحث إسلامى مُصحح، أوحى لى بمقاربة مبتكرة لقضية زواج القاصرات التى تسيطر على حوارنا المجتمعى من فترة ليست بالقصيرة. كان البحيرى مشتبكاً حول موضوع سن الزواج مع الشيخ أبو يحيى الذى أُدين بالتحريض على حرق كنيسة إمبابة عام 2011، عندما وجه لهذا الأخير سؤالاً مباغتاً عما إذا كان ابن الحادية عشرة يصلح بدوره للاضطلاع بمسئولية الأسرة ورعايتها أم لا ؟... فكر أبو يحيى لثوان معدودات ثم أجاب بالنفى وقُفل باب النقاش فى هذه النقطة، لكنى رأيتها نقطة تستحق البحث.
●●●
تولى الأدبيات الإسلامية أهمية عظيمة للأسرة بوصفها نواة المجتمع التى يصلح بصلاحها والعكس صحيح، وتفرد موضعاً معتبراً لدور المرأة فى استقامة عود الأسرة وتدبير أمرها، حتى أن تيارات إسلامية كثيرة تُلغى أى وجود للمرأة خارج نطاق الأسرة وتكتفى بدورها كزوجة وأم. وبالتالى فإن تلك التيارات عندما لا تمانع فى تزويج ابنة التاسعة وتحملها هذه الأمانة الكبيرة المتمثلة فى إدارة شأن الأسرة والقيام على تنشئة الأبناء تنشئة دينية وأخلاقية سليمة، فإنها بالتأكيد تفترض الرشادة العقلية فى فتاة التاسعة إذ ليس من المعقول أن تعهد لغير الراشدة بمسئولية إعداد الأبناء وتربيتهم. ولما كان من الثابت علمياً أنه لا يوجد أى فارق بين الذكر والأنثى فيما يخص النمو العقلى، وأن كل الفارق بينهما يتعلق بالنمو الجسمانى المبكر للأنثى مقارنة بالذكر، فهذا يعنى من الناحية العقلية أن ابن التاسعة يتحلى بالقدرة نفسها على التصرف الرشيد والقيام بأعباء الأسرة تماما كما هى ابنة التاسعة.
إذا قمنا بمد هذا الافتراض على استقامته سنتبين أننا أهدرنا سنين عدداً من أعمار أولادنا لم نمكنهم فيها من تحمل المسئولية، وأخطأنا فى حقهم حين عاملناهم معاملة الأطفال فيما هم راشدون عقلاء، فلماذا إذن لا نتدارك الأمر وننزل بسن الرشد للذكر إلى التاسعة بكل ما يعنيه ذلك من أداء الخدمة العسكرية ومباشرة الحقوق السياسية وإجراء المعاملات المالية واستخراج رخصة القيادة ؟.. لقد كان من إنجازات ثورة 25 من يناير أنها خفضت سن الترشح للبرلمان من 30 إلى 25 سنة، لكن هذا لا يكفى فنحن نطالب بالمزيد خصوصاً مع ارتفاع الأصوات الداعية إلى الزواج المبكر، فهل مسئولية الأسرة أقل شأناً من المسئولية السياسية ؟. نلاحظ هنا أننا إذا سمحنا بتكوين أسرة ربها فى التاسعة من عمره فإننا سوف نتغلب على كثير من الانتقادات التى توجه لزواج القاصرات. فأحد هذه الانتقادات أن الفارق العمرى بين الزوجين عادة ما يكون كبيراً كما يحدث حين يتزوج شاب يافع فى الثلاثين من صبية فى التاسعة الأمر الذى يعطل التفاهم بينهما ويفسد العشرة الزوجية، لكن إذا كان الزوجان فى التاسعة فسوف يشتركان فى اهتماماتهما وسيقضيان وقتاً رائعاً فى اللعب معاً ومع الأسر الأخرى الصديقة. كذلك فإن من أوجه النقد التى توجه لزواج القاصرات أنه يقود فى حالة الإنجاب إلى أضرار صحية بالغة بالنسبة للأم والجنين معاً، لكن زواج ابن التاسعة سيؤخر العلاقة الزوجية ما بين عامين وثلاثة أعوام، كما أن الزوج سيكون أقل إلحاحاً على الإنجاب المبكر وذلك حتى يكون نفسه ويصبح قادراً على إطعام أسرته من عمل يده ودون الاعتماد على مساعدة خارجية، فعمالة الأطفال ليست سلبية بالضرورة. ولا ننسى هنا أن الزوج سيكون فى السنة الثالثة أو الرابعة على أقصى تقدير من المرحلة الإبتدائية أى أن الشوط سيكون أمامه طويلاً جداً حتى يكمل تعليمه الجامعى. صحيح أن هذا الوضع سيعرض ابن التاسعة لضغوط نفسية شديدة نتيجة الجمع بين التعليم والعمل، لكن التجربة ستصقل شخصيته وسيكون فى آخر المطاف رجلاً يقدر معنى المسئولية جديراً بالانتماء لوطن أنجز ثورة عظيمة. هنا لست فى حاجة للتأكيد على أن هذا السياق الاجتماعى سيتكفل بالقضاء على ظاهرة التحرش التى تفاقمت بشدة فى السنوات الأخيرة، فرب الأسرة الصغير لن تكون لديه رفاهية إهدار الوقت.
●●●
عندما كنا فى التاسعة كانت شقاوتنا مزعجة، نسكب ماءً بارداً على المارة من نافذة بيتنا فى الطابق الأرضى، ونقلق منام الجيران بدق جرس الباب ثم نختفى، ونصر على اقتناء قططاً تمزق كساء مقاعد غرفة الصالون ثم نضرب عن الطعام حين يسرحها الأهل، ونقفز ونسقط ونصاب عشرات المرات ولا نتعظ. كان هذا فى الأيام الخوالى وفى ظل تعريف محدد للطفولة، أما الآن فإن الجيل اختلف والوطن على وشك أن يختلف، وظاهرة الطفولة المسئولة تطرح نفسها علينا ونحاول أن نهرب من قسوتها بالسخرية والتهكم، وشر البلية ما يضحك.