خسارة أمريكا ومكسب روسيا - سمير كرم - بوابة الشروق
الجمعة 4 أبريل 2025 8:07 م القاهرة

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تتوقع نجاح اتفاق الهدنة في غزة؟

خسارة أمريكا ومكسب روسيا

نشر فى : الأربعاء 13 نوفمبر 2013 - 7:55 ص | آخر تحديث : الأربعاء 13 نوفمبر 2013 - 7:55 ص

هل يميل المزاج المصرى ــ السياسى والثقافى فى العلاقات الدولية ــ إلى الشرق أكثر مما يميل إلى الغرب؟

يبدو هذا السؤال مبررا عندما نلاحظ السرعة التى مال بها الشعب المصرى إلى التطور السريع الذى طرأ على العلاقات المصرية ــ الروسية. حتى إنه لم يظهر من بين الجماهير المصرية، التى أصبحت فى وضع تعبر فيه صراحة عن مواقفها إزاء الأحداث والتطورات الداخلية والخارجية، من يعبر عن قدر من الرفض أو حتى الاستياء إزاء التقارب الجديد الذى بدا أن العلاقات المصرية ــ الروسية تتجه نحوه. أظهر هدوء رد الفعل السوفييتى إزاء أزمة العلاقات مع مصر أن موسكو لم ترد بأى حال أن تخسر مصر. وربما تكون قد توقعت مجيء وقت تسترد فيه العلاقات بين الدولتين والبلدين صحتها وإيجابيتها. والواقع أن مصر حرصت طوال سنوات حكم السادات، وبعده حكم مبارك على أن تبقى على صفات المودة فى هذه العلاقات على الرغم من اقترابها أكثر إلى أمريكا. فالعلاقات لم تقطع ولم تجمد ولم تصل ابدا إلى نقطة مظلمة نحن إذن بصدد روسيا جديدة تبدو لمصر ــ الشعب والحكم على السواء ــ أكثر قبولا، وبالتالى أكثر انفتاحا للدولتين والبلدين. ولعل لدينا الآن من الأسباب ما يجعلنا مقتنعين بأن العلاقات المصرية ــ الروسية تتجه نحو عهد يمكن اعتباره شبيها بالعلاقات بين روسيا والولايات المتحدة بعد تفكك النظام الشيوعى فى الأولى. لقد قامت بين الدولتين الكبيرتين علاقات أكثر وئاما ومودة، لكنها بقيت علاقات تنافس فى معظم الميادين التى تحكم تصرفات البلدين السياسية والاقتصادية والعسكرية.

•••

وسيكون بإمكان مصر وروسيا أن تجدا فى العلاقات الروسية ــ الأمريكية مثالا يحتذى لعلاقاتهما حتى وإن لم يكن هذا وضعا يرضى الولايات المتحدة خاصة فى علاقاتها مع مصر. إن القاهرة وموسكو تتقاربان مرة أخرى بعد انقضاء ثمانية وخمسين عاما على تقاربهما السابق. وإذا بدا أن التقارب المصرى ــ الروسى يحمل علامات سلبية لأمريكا فإنه لا يزال بإمكاننا أن نذهب إلى أن شكل العلاقات الأمريكية ــ الروسية سيلعب دورا مؤثرا فى تحديد شكل ومضمون العلاقات المصرية ــ الأمريكية. فستظل علاقات مصر بأمريكا قوية ومميزة كما كانت طوال العقود الماضية، وستظل العلاقات المصرية ــ الروسية فى منحناها الجديد تتأثر بالعلاقات بين أمريكا وروسيا، على الرغم من اختلاف الأحجام بين الدول الثلاث الذى تظهر فيه مصر أصغر حجما. إلا أن الأمر المؤكد الذى تدركه الدولتان الكبيرتان هو أن مصر تتميز على الرغم من حجمها بدور إقليمى وعالمى متميز ولا تنافسها فيه أى من الدول من الحجم ذاته. وستبدو مصر أكثر فاعلية وتأثيرا من بلد شرق أوسطى يوازيها فى الحجم السكانى والجغرافى ــ نعنى إيران ــ فى إطار علاقات متميزة مع روسيا وأمريكا فى وقت واحد.

•••

من المؤكد أن أمريكا لم تكن تتصور أن تذهب مصر إلى مدى التقارب مع روسيا فى الرد على سلبيتها لفترة قصيرة من التفضيل الأمريكى لحكم الإخوان حتى بعد أن رفضه المصريون علنا فى مظاهرات غير مسبوقة ضمت عشرات الملايين. وكان فى إسراع واشنطن إلى إيفاد وزير خارجيتها جون كيرى إلى القاهرة دليل كافٍ على أن أمريكا لا تريد أن تترك باب مصر يفتح للصديق الروسى بما يمكن أن يترتب على ذلك من نتائج لها سابقة تاريخية أليمة. ويمكن القول الآن إن زيارة كيرى ومحادثاته فى القاهرة لم تحقق نتائج سلبية على روسيا أو على مصر، إنما يمكن الجزم بأن المرحلة الجديدة من العلاقات الروسية ــ المصرية ستجد مصر أقوى وأقدر على الإفادة من هذه العلاقات. ونعنى بهذه الإفادة جوانبها الاقتصادية والسياسية والاستراتيجية.

•••

من ناحية أخرى قد لا تخطر ببال المراقب الخارجى لهذه التطورات فإن روسيا فى المرحلة الحالية تجد نفسها أحوج ما تكون إلى علاقة أوثق وتنسيق أدق مع دولة إسلامية بحجم وقدرات مصر. إنها تواجه معضلات ناتجة عن نشاط جماعة الإخوان والجماعات ذات التوجه المماثل فى المناطق ذات الأغلبية الإسلامية، وفى الجمهوريات الإسلامية الحدودية التى صدّرت آلاف الرجال منها إلى سوريا ويمكن أن تصدرهم مرة أخرى إلى المناطق الإسلامية الروسية. إن روسيا فى هذا الصدد تواجه واحدة من أعقد المشكلات ولا تريد أن تكتفى باستخدام القوة المسلحة فى مواجهة هذه المشكلة. إنما تريد روسيا أن تستعين بمعرفة مصر وقدراتها وتجاربها فى مواجهة مشكلات مماثلة. وروسيا بحاجة إلى وقوف بلد إسلامى إلى جوارها فى الأمم المتحدة وفى المجالات الدولية الاخرى. هى بحاجة لأن تثبت لأمريكا أن الدعم الأمريكى للقوى المسلحة الاسلامية داخل روسيا وخارجها لا يملك قدرة على كسر إمكانات روسيا فى مجال العلاقات الخارجية مع العالم الإسلامى.

•••

كذلك فإن روسيا تريد أن يكون لها دور أكثر تأثيرا فى الأزمة السورية. وستحاول يقينا أن تستعين بمصر سياسيا ودبلوماسيا فى هذا الاطار.

ومصر تعرف هذا وتدرك ما يمكن ان يكون عليه دورها وما يمكن أن تجنيه اقتصاديا وسياسيا وثقافيا من علاقات متجددة مع روسيا فى هذا الزمن القلق والجو المتوتر. ألا يبدو فعلا أن خسارة أمريكا أقل من مكسب روسيا؟

سمير كرم  كاتب سياسي مصري
التعليقات