اعتدت خلال إقامتى فى إيطاليا على مشاهدة قناة الأفلام يوم الأحد صباحا حيث كانت تعرض فيلما إيطاليا قديما. وكنت أرى فى تلك الأفلام القديمة فرصة لتحسين لغتى الإيطالية بأفلام عادة ما يكون إيقاعها بطيئا، ما يسمح بمتابعة الحوار بين أبطال الفيلم بيسر، وكذلك فرصة لرؤية المدن والقرى الإيطالية قبل خمسين عاما. وكانت تلك الأفلام أيضا أداة لمعرفة شكل العلاقات المجتمعية قبل نحو خمسين عاما فى إيطاليا، ما الذى تغير وما الذى بقى على حاله.
ومع مشاهدة هذا النوع من الأفلام بانتظام، فإن ما لفت نظرى فى كل مرة هو درجة تشابهٍ فى القيم المجتمعية، لا بل حتى فى الأطر القانونية، بين دولة أوروبية مثل إيطاليا خلال خمسينيات وستينيات القرن الماضى ودولة عربية مثل مصر، خصوصا تلك القواعد المُنظِمة للعلاقات الأسرية ولوضع المرأة بشكل عام فى المجتمع. هذه هى مثلا حال الفيلم الإيطالى «الطلاق على الطريقة الإيطالية» العائد إلى العام 1961. يُعَد هذا الفيلم من أشهر أفلام السينما الإيطالية، وقد حصد جائزة الأوسكار لأفضل سيناريو، وهو من بطولة النجم الإيطالى مارشيلو ماستوريانى، الذى قام بدور بطل الفيلم الذى يسعى إلى التخلص من زوجته من خلال التخطيط لقتلها كى تبدو الجريمة وكأنها جريمة شرف، حتى يحصل على حكم مخفف بالسجن، ليخرج بعده ويتزوج عشيقته. بنى الفيلم حبكته الدرامية بالكامل على قانون معاقبة جرائم الشرف، حيث نص القانون الإيطالى آنذاك على معاقبة هذا النوع من جرائم القتل بالسجن لفترة تتراوح من 3 إلى 7 سنوات فقط.
***
هالنى أن يكون هذا القانون هو الحاكم لهذا النوع من الجرائم خلال الستينيات فى دولة أوروبية مثل إيطاليا، ولكن المفاجأة كانت عندما بحثت عن هذا الموضوع ووجدت أن العمل بهذا القانون فى إيطاليا استمر حتى العام 1981، عندما تم تشديد عقوبة القتل فى مثل تلك الجرائم. ولا يقتصر هذا الأمر على إيطاليا فقط، بل عرفت العديد من الدول الأوروبية هى الأخرى قوانين تعبر عن قيم مُحافِظة بشدة حتى السبعينيات. ففى فرنسا على سبيل المثال لم يُعدَل قانون الأسرة ليسمح بالطلاق بالتراضى بين الطرفين إلا فى العام 1976، بعد أن كان الطلاق ممكنا فقط فى حالة الخطأ مثل الخيانة الزوجية.
أما فى إيرلندا، وحتى الستينيات، فكان على موظفات الحكومة أن يتركن وظائفهن عند الزواج، إذ كان العمل للزوج فقط، ومكان الزوجة هو البيت. وفى العام 1959، رفض السويسريون منح المرأة حق التصويت بنسبة بلغت 67%، لا بل وصلت نسبة التصويت فى بعض مناطق شرق سويسرا ووسطها ذات التوجه المحافظ إلى 80%. واستمرت الحال هكذا حتى استفتاء جديد فى العام 1971، جاءت نتيجته 66 فى المئة من المؤيدين لمنح المرأة حق التصويت.
***
ثمة تصور فى منطقتنا العربية يربط ما بين التنوير وتغير القيم المجتمعية الأوروبية لتكون أكثر ليبرالية، إلا أن هذا التصور غير صحيح.
يرى عالم الاجتماع الفرنسى أوليفيه روا فى كتابه الأخير «هل أوروبا مسيحية؟» أن حتى وإن تراجع دور الكنيسة فى أوروبا منذ القرن الثامن عشر، ظلت القيم المسيحية جزءا رئيسا من قيم المجتمعات الأوروبية حتى منتصف القرن العشرين. فقد اعتنق العلمانيون الفرنسيون على سبيل المثال النظرة نفسها إلى العائلة وقيمها ودورها فى المجتمع كتلك التى طرحتها الكنيسة. فالصراع بين العلمانيين والكنيسة بقى طوال القرن التاسع عشر صراعا حول الجهة التى تملك سلطة تحديد قيم المجتمع، لا حول مضمون تلك القيم فى حد ذاتها. واستمرت القيم المسيحية فى تعريف القانون والحياة الاجتماعية حتى فى أكثر البلدان علمانية ومعادية لرجال الدين حتى ستينيات القرن الماضى.
إن أوروبا التى تكرهها بعض التيارات المُحافِظة فى مجتمعاتنا العربية، أوروبا التحرر الجنسى، وتقنين الإجهاض، وزواج المثليين، هى أوروبا خلال آخر خمسين عاما فقط. فالتنوير الأوروبى لم يكن جوهره صراعا حول القيم بقدر ما كان حول السلطة المخول لها تحديد تلك القيم: مؤسسات الدولة الحديثة أم المؤسسات الدينية. فجوهر عملية بناء مؤسسات الدولة الحديثة فى أوروبا منذ القرن الثامن عشر تمحور حول مواجهة سلطة الكنيسة فى فرض قيمها على المجتمع، لا حول مواجهة تلك القيم المُحافِظة نفسها أو استبدالها بأخرى.
تخطئ تلك التيارات الدينية المُحافِظة عندما ترى فى التنوير الأوروبى فقط التحرر الجنسى، وفى فصل الدين عن الدولة دعوة إلى الانحلال. فقد ظلت المجتمعات الأوروبية، حتى أكثرها علمانية مثل فرنسا، مُحافِظة إلى حد كبير حتى منتصف القرن الماضى. وتخطئ كذلك بعض الأصوات الليبرالية العربية التى ترى أن مشكلة مجتمعاتنا تكمن فى قيمها المُحافِظة، وأن تغيير تلك المجتمعات يبدأ بتغيير تلك القيم. فلا تسعى تلك الأصوات «التنويرية» إلى تغيير قيم مجتمعاتها فقط، بل تذهب أبعد من ذلك مُطالِبة المؤسسات الدينية نفسها بتعديل خطابها الدينى، ظنا أن هذا الأمر هو ما يفتح الباب أمام تقدم مجتمعاتنا العربية، فى الوقت الذى ظلت الكنيسة الكاثوليكية نفسها وفية لخطابها المُعادى لقيم التنوير حتى ستينيات القرن الماضى، عندما قام الفاتيكان بمراجعة مواقفه خلال اجتماعات عدة ما بين 1962 و1965، عُرِفَت بمجلس الفاتيكان الثانى.
يقع هذان التياران على اختلافهما فى ذات الخطأ والذى لا يرى الفارق بين وضع حد لسلطة الكنيسة على المجتمع مما فتح الطريق أمام بناء دول حديثة تأخذ بالأدوات الديمقراطية طريقا للحكم وبين ثورات الستينات الاجتماعية والتى نتج عنها إعادة تعريف للكثير من القيم المجتمعية الأوربية خاصة تلك المتعلقة بالحقوق والحريات الجنسية.
إن ما يبدو فارقا كبيرا بين قيم مجتمعاتنا العربية وتلك الأوروبية هو نتاج الأعوام الخمسين الأخيرة فقط، لكن الأسئلة المتعلقة بهوية الدولة وطبيعة العلاقة بين مؤسسات الدولة الحديثة والمؤسسات الدينية هى ما حسمته أوروبا منذ قرون عدة، ولا تزال منطقتنا العربية غير قادرة على حسمه. القضية ليست إذا فى ما تراه بعض الأصوات الليبرالية من قيمٍ مُحافِظةٍ تعيق تقدم مجتمعاتنا العربية، أو ما تخشاه بعض الأصوات المُحافِظة من «انحلال أخلاقى» غربى قد يتسلل إلينا، بل فى بناء قواعد إدارة تلك الاختلافات بين القيم المُحافِظة والليبرالية. القضية لا تتعلق بالقيم بحد ذاتها، بل بالإطار السياسى الذى يسمح بإدارة هذا الاختلاف من دون أن يتدخل أحد الطرفين، المُحافِظ أو الليبرالى، ليفرض وصايته على المجتمع وقيمه.