ما من مرة أثيرت فيها مسألة مشروع التوريث الرئاسى فى مصر، إلا وقفز أنصاره وجمعيات المنتفعين من الاستثمار فيه إلى التذكير بأن مناهضى التوريث جميعا يتجنبون ذكر المثال الديمقراطى السليم الواضح له.. وهو المثال الأمريكى أو لعلنا نقول المثل الأعلى الأمريكى.
إنهم يعتبرون أن النموذج الديمقراطى ــ والنظيف ــ للتوريث هو حالة جورج بوش الابن، الذى تولى الرئاسة فى عام 2001 بعد انتخابات فى عام 2000 أحاطت شكوك واتهامات خطيرة بشان عملية فرز الأصوات، ولكن المحكمة العليا الأمريكية ــ وهى أعلى سلطة قضائية فى البلاد ــ أصدرت قرارا (وهى بالمناسبة لا تصدر أحكاما) جعل نتيجة الانتخابات لصالح بوش الابن بفارق أصوات لم يتخط 350 مقعدا فى ولاية فلوريدا.. حيث وقعت المعركة الفاصلة.
بصرف النظر عن الملابسات الكثيرة والمعقدة التى أحاطت ولا تزال بانتخاب بوش الابن لفترة رئاسته الأولى، فإن أنصار التوريث الرئاسى هنا فى مصر يعتبرون أن هذه الانتخابات دليل واضح ودامغ على أن التوريث الرئاسى ممكن فى ظل نظام ديمقراطى وانتخابات ديمقراطية. فها هى ذى أمريكا قد مارست التوريث وأضفت عليه الطابع الديمقراطى السليم.
غير أن أنصار التوريث الرئاسى فى مصر يغفلون حقائق واعتبارات كثيرة فى تجربة انتخاب بوش الابن. على رأسها أن بوش الابن اضطر لأن ينتظر فترتى رئاسة كاملتين (8 سنوات فى مجموعهما) تولى الرئاسة خلالهما خلفا لجورج بوش الأب بيل كلينتون. فلم يتقدم بوش الابن للترشيح عن الحزب الجمهورى حزب أبيه فور انتهاء فترة رئاسة أبيه (فترة واحدة لمدة أربع سنوات سقط فى نهايتها فى مواجهة بيل كلينتون مرشح الحزب الديمقراطى المنافس)
كان لابد لبوش الابن أن ينتظر حتى تصبح رئاسة أبيه فى حكم الماضى، وحتى يكون مستشارو أبيه ومساعدوه ورجال الدولة الذين أحاطوا به قد عادوا إلى صفوف المواطنين العاديين، حيث لا يعود لهم دور ثقيل الوزن والنفوذ فى توريث الابن الرئاسة بدءا بالحزب الذى ينتمى إليه كلاهما: الأب والابن.
لعل من الضرورى أن نذكّر هنا بأن ثمة اختلافا جديرا بالاعتبار بين الرئاسة الأمريكية والرئاسة المصرية يتمثل فى فترة الرئاسة. فهى فى أمريكا ــ كما ذكرنا ــ أربع سنوات يسمح الدستور بتكرارها مرة ثانية فقط.. وعلى الرئيس الذى يريد أن يرشح نفسه لفترة رئاسة ثالثة أن ينتظر تولى رئيس آخر لفترة أو اثنتين على الأقل ثم يعود الرئيس السابق لترشيح نفسه. وقد حدث هذا مرة واحدة فى التاريخ الأمريكى، إذ تولى جروفر كليفلاند الرئاسة لفترة واحدة فكان الرئيس الثانى والعشرين (1885 1889)، وتولى الرئاسة بعده بنجامين هاريسون. بعدها عاد كليفلاند إلى ترشيح نفسه مرة أخرى للرئاسة ففاز وأصبح الرئيس الرابع والعشرين(1893ــ 1897)، وثمة استثناء واحد فى التاريخ الرئاسى الأمريكى، يتمثل فى تولى تيودور روزفلت الرئاسة لفترة ثالثة عندما ألغيت الانتخابات بسبب انشغال الولايات المتحدة فى الحرب العالمية الثانية.
يغفل أنصار التوريث الرئاسى فى مصر أيضا جانبا من التاريخ الأمريكى الحديث، حين يعتبرون أن تولى بوش الابن الرئاسة كان نوعا من التوريث الديمقراطى والنظيف. هذا الجانب من التاريخ الأمريكى يتحدث عن ماضٍ خطير لأسرة بوش فى الحياة السياسية الأمريكية ربط بينها بعلاقات مريبة بالجريمة المنظمة وزعمائها..
فكانت إحدى أغنى وأكثر الأسر الأمريكية انخراطا فى نشاطات الجريمة المنظمة وعصاباتها فى عشرينات وثلاثينات القرن العشرين وما بعدها. وقد وقع حدث فريد من نوعه يوم 22 مايو 2007، فى ذروة فترة الرئاسة الثانية لبوش الابن، عندما أصدر رؤساء خمسة من عائلات عصابة المافيا الشهيرة بيانا مشتركا أعربوا فيه عن سخطهم على بوش الابن وإدارته وسياساته، وعن انعدام الكفاية والمهنية فى إدارته للأمور، معتبرين أن هذه كلها عيوب خطيرة» تنعكس بصورة سيئة على كل أعضاء الجريمة المنظمة الآخرين، الذين يؤدون عملهم بمهارة ويحافظون على مستوى عالٍ من السلوك المهنى...!».
فقط لمن يهتم بتفصيلات هذه الصلة بين عائلة بوش (بمن فيهم الرئيسان الأب والابن) بعصابات الجريمة المنظمة، فان موقع جوجل البحثى على شبكة الإنترنت يعطى نحو 633 ألف مادة لمن يبحث عن «عائلة بوش والجريمة المنظمة».
والأمر الذى يكاد يكون مؤكدا أن صلات هذه الأسرة استطاعت أن تلعب دورا فى تنظيم حملة فرز أصوات بوش الابن فى انتخابات عام 2000، ويكاد خصومه أن يكونوا على ثقة تامة من أن علاقات الأسرة لعبت دورا هائلا فى «توصيله» إلى الرئاسة.. بما فى ذلك قرار المحكمة العليا الذى اتخذته أغلبية من قضاتها كان بوش الأب قد عينهم فى مناصبهم أثناء رئاسته.
فليس الاحتماء بالتوريث على طريقة بوش مما يدعو للفخر أو حتى الارتياح، فهى لم تكن طريقة ديمقراطية خالصة.. بل لم تكن طريقة نظيفة تماما.
المهم أن النظام الديمقراطى الأمريكى ــ ومهما أحاط به من شكوك ــ لا يسمح بترشيح الابن لرئاسة تخلف رئاسة أبيه مباشرة. والفرق كبير بين ترشيح «ابن الرئيس» وترشيح «ابن الرئيس السابق» أو «ابن الرئيس الأسبق».
ولابد من إيضاح اختلاف آخر يتمثل فى مدة الرئاسة فى الولايات المتحدة وفى مصر.
فقد عرفنا أن فترة الرئاسة الأمريكية هى أربع سنوات يمكن أن تمتد بالانتخاب أيضا لفترة ثانية. أما فى مصر فإن فترة الرئاسة الواحدة تمتد لست سنوات، وهذه قابلة للتكرار إلى أجل غير مسمى. وما دمنا بصدد حساب السنين فإن عمر مبارك الابن يحتمل الانتظار لمدة ست سنوات بعد انتهاء رئاسة من يخلف مبارك الأب، بل يحتمل الانتظار لاثنتى عشرة سنة.. إذا ما أخذت مصر بالنظام الأمريكى.
وسيكون على مبارك الابن فى هذه الحالة أن يتحمل هذا الانتظار. فهو ــ على أى الأحوال ــ اقصر من انتظار الفترات، التى تحمل الشعب المصرى طوالها انتظار فترات رئاسة غير محدودة.
ربما يتساءل بعضنا: ماذا سيكون على مبارك الابن أن يفعل خلال سنوات الانتظار تلك إذا هو أراد أن يكون توليه توريثا ديمقراطيا على طريقة جورج بوش الأب والابن؟
ربما يكون عليه أن يعيد بناء الحزب الوطنى بزعامته، إذا كان لا يزال يعتقد أن هذا الحزب يمكن أن يصل به إلى الرئاسة بطريقة ديمقراطية.. أو ربما يكون عليه أن يبنى حزبا جديدا بزعامته على أسس ديمقراطية جديدة، إذا ما قبل القول بأن التوريث الرئاسى هو فعل غير ديمقراطى، وإذا ما كان مقتنعا بأن الحزب الديمقراطى الحالى، الذى تشبع بفكرة التوريث لا يعود يصلح كحزب سياسى ديمقراطى، وأن ماضى هذا الحزب يمكن أن يلاحقه فلا يصل إلى الرئاسة أو يصل إليها معقدة بالمشكلات وبأثقال الماضى غير الديمقراطى.
المهم أن برنامج عمل مبارك الابن فى انتظار وقت أفضل للترشيح لابد أن يكون بعيدا عن قصر الرئاسة، وعن الأب والأسرة الحاكمة، وجماعات المنتفعين كلها بالمعنى الحرفى وبالمعنى السياسى.
ومن المهم للغاية أن يدرك مبارك الابن أن انتظاره لفترة رئاسة واحدة أو اثنتين بعد انتهاء رئاسة مبارك الأب ليس هو فى حد ذاته ما سيجعل ترشيحه عملا ديمقراطيا. إنما ماذا ستفعل الرئاسة، التى ستأتى بعد مبارك الأب وماذا سيفعل الابن فى تلك الأثناء.
وهذه شروط صعبة، صعبة للغاية، قد تقنعه فى النهاية بأن لا داعى للرئاسة سواء بالتوريث أو بالديمقراطية.
فإن الرئاسة عندئذ وإذا أخذت الديمقراطية طريقها ــ قد لا تروق له كما تروق له الآن.