التحرش الجنسى قضية سياسية - سمير كرم - بوابة الشروق
الجمعة 4 أبريل 2025 6:32 م القاهرة

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تتوقع نجاح اتفاق الهدنة في غزة؟

التحرش الجنسى قضية سياسية

نشر فى : الأربعاء 14 نوفمبر 2012 - 8:25 ص | آخر تحديث : الأربعاء 14 نوفمبر 2012 - 8:25 ص

هيمنت قضية التحرش الجنسى على فكر المجتمع المصرى منذ فترة ليست طويلة. وهى لاتزال تسيطر على اهتمام كثيرين منا كآباء ومعلمين ومختصين وغير مختصين. ولعلها قضية جديرة بالنظر والبحث باعتبارها من الاعراض المرضية التى لا يمكن تجاهلها.

 

إنما يبدو أن التفكير فى الحلول قد افلت منا بصورة أو باخرى كما هى العادة عندما ينصب اهتمامنا على واحدة من قضايانا الملحة. وربما يرجع هذا إلى طبيعة المشكلة وصعوبتها وحساسيتها التى تتطلب قدرا من الصراحة الذاتية والموضوعية كثيرا ما يفلت منا خاصة عندما تكون المشكلة ذات طابع تحريمى، أى تتعلق بغريزة ينالها منا قدر هائل من التحريم والتكتم.

 

●●●

 

ولكن الملاحظ ان المشكلة بدأت تتخذ طابعا سياسيا. وقد بدأ هذا الطابع السياسى يفرض نفسه منذ ان لاحظ بعضنا ان التحرش الجنسى كظاهرة مرضية اختفى فى ايام الثورة. أى ان هذا البعض افترض ان النقاء الثورى الذى صاحب احداث الثورة المصرية قبل اقل من عامين كان كفيلا بمعالجة المشكلة علاجا شاملا حتى انها اختفت. لكنها لم تلبث ان عادت تفرض نفسها على الجناة الشباب وعلى المجنى عليهن الشابات وبالتالى على المجتمع ككل.

 

كذلك فإنه فى محاولات تفسير المشكلة ظهرت آراء ذات طابع سياسى منها التأكيد من جانب بعض المتخصصين بان التحرش الجنسى يتوازى مع التحرش السياسى فى محاولة لفرض انسحاب المرأة من ادوارها السياسية والاجتماعية. وزاد من تأكيد الطابع السياسى للمشكلة استخدام كلمات أو مصطلحات نستخدمها فى مصر عادة فى التحليل السياسى اكثر مما تستخدم فى التحليل النفسى أو الاجتماعى مثل كلمة عدوانى وكلمة الردع والرادع. ومع ذلك فانه يلاحظ ان التفسيرات الفرويدية ــ والنفسية بشكل عام ــ تكاد تكون قد غابت تماما عن محاولاتنا لتفسير التحرش الجنسى كظاهرة مرضية فرضت نفسها على اهتمام المجتمع بكل فئاته تقريبا.

 

●●●

 

لكن الامر الذى يدعو لما هو اكثر من الدهشة، وربما يصل بنا إلى نقطة الغضب، هو ان ظاهرة التحرش الجنسى فى المجتمع المصرى لقيت اهتماما سياسيا من جانب القوى المعادية لمصر سياسيا وثقافيا كانما وجدت فيها هذه القوى فرصة لابد من انتهازها والقفز عليها للنيل من الشعب المصرى وادانته سياسيا وثقافيا واخلاقيا. لقد وجدت احدى منظمات اللوبى الصهيونى فى الولايات المتحدة ــ «معهد واشنطن لدراسات الشرق الاوسط» ــ فرصة سانحة للدخول فى نقاش حاد مع اثنين من اعضاء التيار السلفى المصرى تناول هذه الظاهرة وكانت فرصة نادرة للحديث عن استفحال هذه المشكلة وعن الوقوع «فى خطأ الاعتقاد بان الصور المكشوفة التى يتيحها الاعلام (الغربى) عن المرأة أو الاباحية الصريحة بدلا من التركيز على اسباب اجتماعية وثقافية متنوعة... والقول بان الحجاب أو الرداء الاسلامى المحتشم للمرأة هو ما يحمى المرأة من أى اعتداء بالحؤول دون الاعتداء الشهوانى من الذكور. لكن هذا الحجاب أو الرداء لا يؤدى هذه الوظيفة بالشكل الكافى. فالمحجبات ــ كما يؤكد متحدثون آخرون ــ يتعرضن كثيرا للتحرش والمضايقات. وعلى نفس الدرجة من الخطأ ايضا التلميح بان النساء اللاتى يرتدين بغير احتشام هن المسئولات نوعا ما عن التحريض على الاعتداء عليهن».

 

وقد وجد المعهد الصهيونى المذكور فرصة لا تتاح عادة للرد على الاعتقاد السلفى بان من المباح للبنت ان تتزوج فى سن التاسعة أو العاشرة. كما اهتم معهد واشنطن بالرد على ما ورد فى جزء من مسودة الدستور التى تصوغها الجمعية التأسيسية والذى ينص على «ان مساواة المرأة خاضعة لاحكام الشريعة. فمثل هذا الفعل سوف يقلل من حق المرأة فى المساواة لانه يجعلها بالشريعة انقص فى كثير من المجالات المهمة مثل الزواج والطلاق والميراث والشهادة فى المحكمة والحضانة وغير ذلك. ويمكن ان يعنى ذلك ايضا طبقا للتفسيرات السلفية السائدة ضرب الزوجة وفرض الحجاب واشتراط موافقة الزوج على سفر المرأة أو حتى ان تترك البيت، والفصل بين الجنسين واشكال اخرى من التمييز تصير فيما بعد هى قانون البلاد».

 

ويضيف المعهد الناطق بلسان اقوى تنظيمات اللوبى الصهيونى فى أمريكا من الناحية السياسية «فى مثل هذا الجو القمعى يمكن ان يتوقع المرء بشكل طبيعى ان يسوء التحرش بالمرأة اكثر وأكثر فى العلن...ان لدى المجتمعات المسلمة كل الحق فى ان تجد بنفسها لنفسها الحل». ويصف المعهد قول احد الناطقين بلسان التيار السلفى فى المناقشة الدائرة بينه وبين هذا المعهد بان «62 بالمائة من الرجال المصريين يعترفون بتحرشهم بالنساء على الاقل مرة فى الاسبوع هو قول معقول ومزعج فى ذات الوقت. ومع ذلك فان المزعج ايضا هو ان هذا العلاج الذى صرح به للمشكلة يعتمد على حرية فى السلوك والتعبير اقل لا اكثر. والذى غاب بشكل واضح عن مقالته هو أى ذكر للمساواة الكاملة أو تمكين المرأة المصرية من القيام بدورها كاملا».

 

●●●

 

اننا ندرك ان امكانات العصر تتيح للاخرين ــ اصدقاء كانوا أو اعداء ــ ان يطلعوا على مناقشاتنا وبالتالى ان يردوا عليها. ولكن ان نشارك فى المناقشة مع من هم بالتأكيد اعداء لمصر فهذا ما ينبغى الاعتراض عليه. لقد اتاحت هذه المناقشة للوبى الصهيونى الامريكى ان يشن هجمة ثقافية عنيفة على الاوضاع فى مصر موجهة بالدرجة الاولى إلى قارئه الخاص ومن بينه القارئ الاسرائيلى. ويكمن الهدف السياسى وراء هذه الهجمة الصهيونية حيث تظهر مصر قمعية ومتخلفة. ولا تقتصر هذه الصفات وامثالها على تيار بعينه انما يستخلص القارئ ان هذا هو الوضع المصرى، خاصة فى ضوء هيمنة التيار الدينى المتمثل فى الاخوان المسلمين على السلطة بما فى ذلك السلطة الدينية والثقافية والسياسية.

 

لقد انتهز اللوبى الصهيونى الامريكى هذه الفرصة للنيل من سمعة مصر الثقافية والفكرية، والسياسية بالتالى، واقتحم الباب المؤدى إلى مناقشة شأن داخلى مصرى من موقع اكثر تقدما واكثر وعيا بمقتضيات الحياة المعاصرة.

 

وها هى النتيجة امام اعيننا. لقد تحولت مشكلة التحرش الجنسى فى مصر من مشكلة نفسية واجتماعية أو تربوية إلى مشكلة سياسية توضع فيها مصر موضع المقارنة الظالمة بناء على ما تكشف عنه وجهات نظر بعض المصريين، هم بالتحديد السلفيون.

 

 

سمير كرم  كاتب سياسي مصري
التعليقات