كانت الساعة تشير إلى الخامسة صباحا فى يوم من أيام شهر أبريل، راحت لسعة البرد الخفيف تلفح وجهها، وهى فى طريقها لمطار القاهرة لاستقبال أحد الضيوف فتفتح المسام وتغسل الهموم وتعطى للعاصمة «نكهة» غير التى ترتبط بها حرا وازدحاما وأعصابا مفلوتة، التقطت أذناها بصعوبة صوت تغريد العصافير لكنه على ضعفه نفاذ. آه لو كانت كل أوقاتنا فجرا، تضحك فى داخلها وتقول أبدا لن تكون ،فقبل بضع سنوات استمعت إلى جارة لها تتمنى لو كان الليل لا ينقشع حتى يظل صغارها نائمين فتتخلص من طلباتهم الكثيرة، وتجد فرصة لتحتسى فنجان الشاى بالنعناع، أو تقرأ جريدة اليوم، أو تتابع أوبرا وينفرى. فلا صار اليوم كله ليل ولا هو يقينا سيكون فجرا متصلا، ولله فى تعاقب الليل والنهار شئون.
عندما تأخر وصول الرحلة رقم 939 القادمة من كوالالامبور خمس دقائق، لمست توترا خفيفا من جارها، مال عليها رافعا الكلفة وسأل: هى الطيارة وصلت؟ هزت رأسها بالنفى، هو يعرف أن الطائرة لم تصل لكنه يسأل لكى يطمئن قلبه، لا بأس. تكرر سؤاله ونفيها، قدرت توتره وبدأت تتجاذب معه أطراف الحديث.
فهمت منه أنه ينتظر زوجته العائدة من زيارة أخ لها، فى ماليزيا؟ سألت، نعم فى ماليزيا رد. وأنتِ؟ بادلها السؤال فأجابته أنها مثله تنتظر قادما من ماليزيا لكنه زميل. أحبت فيه هذا القلق على شريكة عمره، فلا شك أنه عانى من الوحدة فى غيابها، عرف قيمتها، جَرَب غسل الصحون وتوصيل الأولاد للمدارس، حاول ترتيب الفراش وحشر الوسائد الضخمة فى الأكياس الضيقة، حسب ثمن كيس الخبز وكيلو اللبن وما كان اشتراهما قط، فتح باب الشقة لمن يطرقه، وبعض الطارقين أطفال الجيران العفاريت يدقون الباب ويهربون تسبقهم ضحكاتهم.
ترى منذ متى غابت عنه زوجته؟ خجلت أن تتمادى وتسأله، فلا يهم كم غابت يوما أو شهرا أو أكثر، المهم أنه كابد هذا الشوق فى غيابها، ابتسمت له قائلة: دلوقتِ ترجع لك بالسلامة بإذن الله.
عندما بدأ طابور طويل من رجال ونساء لهم الطول نفسه والتقاطيع الآسيوية إياها والانضباط هو هو يتقدمهم مندوب إحدى الشركات السياحية، ثبتت الرؤية، وصلت الطائرة فعلا. انفرجت أسارير جارها القلوق لأول مرة منذ نحو أربعين دقيقة، وشخصت معه يتفرسان فى وجوه القادمين كل منهما ينتظر غائبه. عن بعد لاحت امرأة متوسطة العمر تعطى يدها لطفلة فى نحو الثامنة وتدفع فى عربة الحقائب بطفل أصغر، يخلو وجهها من المساحيق، وتنضح ملامحها بالطيبة فتكشف عن أمومتها بامتياز، تتسق ألوان ثيابها وحقيبتها وطرحتها اتساقا مريحا للعين وتثبت أن الذوق لا يباع ولا يشترى.
فى لمح البصر انطلق جارها كالسهم نحو أسرته الصغيرة، هى اكتشفت أنها أسرته وإن لم يكن قد ذكر لها ابنيه بحرف فقط حدثها عن الزوجة الغائبة. تابعت سلوكه فى فضول وإعجاب، انقض على الابنة وأشبعها تقبيلا والتقط الابن بحنان وحمله بين ذراعيه، أما الزوجة فمد لها يدا باردة وصافحها كأنه يلتقيها لأول مرة، معقول؟ لم تصدق أن كل هذه المشاعر الجارفة، التى ضغط بها على أعصابها منذ الفجر تترجم إلى مجرد سلام. ولم تصدق أن الزوجة مضت تدفع العربة فى وداعة وكأن ما حدث شىء عادى، وكأن حسبها من زوجها وشريك عمرها مصافحة باليد فلا باقة زهر ولا قبلة على الجبين.
لا شك أن الرجل بذل جهدا كبيرا ليروض مشاعره حتى لا يشهرها على الملأ، فلماذا فعل.. لماذا نخشى الإفصاح عن مشاعرنا تجاه من نحب حبا مشروعا؟ سيقول لك قائل إنه خجل طبيعى يميز ثقافتنا المصرية، وهى سوف ترد بثقة لا ليس خجلا، وإلا ما لفت انتباهنا عمدا عشرات الشبان والشابات وهم يفترشون النجيل فى حرم جامعة القاهرة، أو يتخاصرون على طول كورنيش النيل أمام ماسبيرو وعلى كوبرى قصر النيل أو عباس أو الجامعة، أو يتبادلون الرسائل المكشوفة بل قليلة الحياء على الشريط الإخبارى الدوار فى الفضائيات العربية. يريد هؤلاء الشباب أن يقولوا للجميع نحن هنا ويجدون حبهم جديرا بالتعبير والإشهار رغم أن أكثرهم لم يعقد العزم على أن يطور علاقته إلى ارتباط مشروع وبعضهم بالتأكيد لم تخالجه هذه الفكرة ابتداء. لكن ما أن يتوج الحب بالزواج حق تنقلب الآية وتصير العلاقة واجبة الإخفاء والمداراة.
هل فى إفصاح الزوج عن مشاعره انتقاص من رجولته.. هل تتنمر الزوجة فى انتظار تعبير من هذا النوع حتى تتمكن من الزوج وتحرمه من صفة سى السيد.. هل لا يجد الزوج مبررا للتعبير العلنى عن مشاعره وله بيت يسكن فيه إلى زوجته؟.. آه لو يدرى هذا الرجل كم هى مهمة لفتات لا أبسط منها ولا أيسر يرضى بها غرور امرأته، ويعترف بها زوجة أمام الناس وليس فقط أماً للعيال يناديها يا «ماما» وينسى اسمها.
ابتعد صاحبنا عن ناظرها وأسرته الصغيرة، وانتبهت هى على صيحات بلكنة إنجليزية آسيوية تعرفها حق المعرفة، صاح ضيفها: هاللو. التفتت إليه فكان وجهه يظهر بالكاد من تحت قبعته الخوص الضخمة، تَحَسب لحر القاهرة بثياب فاتحة خفيفة، وتدلت من كتفه كاميرا فيديو صغيرة، كانت تصحبه زوجته ولم يكن يستحى من إمساك يدها.