منذ أن بدأت ثورة 25 يناير وظهر ارتباطها العضوى والسياسى والثقافى بجيل الشباب كقادة لها ومحركين وجماهير أدركت على الفور إلى أى حد أصبح من المشروع دون أى اعتراض أن أوصف بأننى طاعن فى السن. لا غرابة فى ذلك فأنا أمر بعامى الرابع والسبعين بينما من المؤكد أن أجيال الشباب صانعة هذه الثورة العظيمة ــ وهى فى الوقت نفسه المفاجأة الاكبر فيها باعتراف الجميع ــ تتراوح اعمارهم بين نهايات العقد الثانى من العمر إلى نهايات العقد الثالث.. أو هكذا أتصور.
مع ذلك فقد تأخرت طوال الأشهر الأربعة التى مضت منذ انطلاق الثورة حتى الآن فى إدراك حقيقة ترتبت على دخول الثورة الشبابية المصرية تاريخ مصر والوطن العربى بل تاريخ العالم. تأخرت حتى أيام قليلة مضت فى إدراك حقيقة أننى ــ بسبب امتداد العمر إلى الآن ــ استطعت أن اشتغل بالكتابة فى أربعة عهود متتالية فى الحكم فى بلادى. بل إننى تأخرت فى إدراك أن أستاذ الصحفيين والكتاب السياسيين المصريين محمد حسنين هيكل تمكن من أن يشتغل بالكتابة لخمسة عهود فى حكم هذا البلد لأنه بفضل العمر ــ وأتمنى له من صميم القلب والفكر طول البقاء ــ كان قد بدأ هذه المهنة فى العهد الملكى أى قبل أن أبدأها بعهد كامل.
ماذا أريد أن أقول من وراء هذا التقديم الذى يمكن ألا يكون محل اهتمام أحد وسط كل الحوارات الدائرة حول الثورة المصرية حاضرها ومستقبلها والنزاعات المشروعة بشأن طريقها خلال الفترة الانتقالية وبعد أن تنتهى هذه الفترة ويبدأ عهد يعد بديمقراطية حقيقية ويعد بعدالة اجتماعية تدعمها؟
•••
أريد أن أقول إن بإمكانى ــ كما بإمكان كل الزملاء الذين بقوا على الساحة مثل الفترة التى بقيتها ــ أن أقارن بين عهود جمال عبدالناصر وأنور السادات وحسنى مبارك وعهد البدايات الأولى لثورة 25 يناير من حيث مستوى تحقق حرية الرأى. فلقد مارست الكتابة السياسية ــ كتابة الرأى ــ فى القضايا الأساسية التى مر بها الوطن خلال تلك العهود، وافترض أن باستطاعتى أن أتوقع مستوى حرية التعبير عن الرأى فى ظل العهد الذى افتتحته هذه الثورة. والأمر الذى لا مجال فيه لتجاوز الحقيقة هو أن الكتابة فى عهد عبد الناصر كانت تتطلب تأييدا أكيدا وواضحا للمبادئ الأساسية، وغير الأساسية، التى كان ذلك العهد يخوض على أساسها نضاله السياسى والعسكرى والاقتصادى والثقافى.
فى عهد عبدالناصر كان المعيار الموضوعى لحرية الرأى يتضح من خلال إيمان الكاتب بما يكتب، حتى إن اقترب من النقد كان لابد أن ينتقد من موقع التسليم والإيمان بهذه المبادئ. وكانت غير قليلة الحالات التى تعلمنا فيها من هيكل كيف يكون النقد «من داخل النظام». وارتقت حرية الرأى فى عهد عبدالناصر محققة ارتفاعا كبيرا بعد نكسة 1967 التى فتحت أبوابا كثيرة على مصراعيها لنقد ممارسات للنظام من مواقع وطنية وقومية صريحة.
وجاء عهد أنور السادات بمفاجآت التراجع شبه الكامل ــ داخليا وخارجيا ــ عن مبادئ عهد عبدالناصر، فكان نقد نظام عبدالناصر هو الطريق الأقصر إلى إبداء الرأى من داخل نظام السادات. وقد آثر بعضنا الابتعاد إلى خارج مصر من بداية عهد السادات ليتمكن من ممارسة كتابة الرأى منتقدا الطريق إلى «الصلح المنفرد مع إسرائيل» ومنتقدا الطريق إلى مصالحة نظام السوق المفتوح دون أية حدود تفرضها مصالح الوطن فضلا عن المصالح الطبقية للفقراء ومحدودى الدخل. ولعل من اللافت للنظر أن السادات عندما اغتيل فى أكتوبر عام 1981 لم تكن قد سبقت اغتياله حملة نقد داخل مصر بشأن كامب ديفيد أو بشأن العلاقات مع أمريكا.
وعندما بدأ عهد حسنى مبارك فى حكم مصر بدا بعد وقت لم يكن طويلا أن هذا العهد مصمم على الايغال فى طريق السادات فى السياسة العربية، خاصة عندما بدا أن معظم السياسات العربية ضد السادات انتهزت فرصة اغتياله لتعود إلى خط مصر السياسى ودورها دون أن تمارس اى ضغط من أى درجة أو نوع لإبعاد مصر عن سياسة الصلح مع إسرائيل والتحالف مع الولايات المتحدة. وقد حتّمت سياسات الخصخصة بأدنى الأسعار والانفتاح الكامل على التعاون مع إسرائيل وأمريكا أن تنفتح ايضا ابواب التعبير عن الرأى السياسى.. عدا الحدود التى كانت أسوار القصر الجمهورى تمثل نهاياتها. وشاع وقتها أن كل شىء ــ تقريبا ــ مسموح به إلا العيب فى الذات الرئاسية وما يحيط بها ومن يحيط به. وتخللت العهد بعض حوادث الاختفاء والاختطاف لكن هذه بقيت محدودة وبعيدة عن التناول على الرغم من «حرية الرأى» المتاحة، وعلى الرغم من استشراء الفساد من قمة النظام إلى قرب قاعدته المحدودة فإن الفساد لم يتحول إلى قضية فى الكتابة السياسية إلا فى أضيق الحدود التى كان يسمح بها النظام بغرض النيل من خصومه وخصوم خططه المستقبلية.. التوريث أهم مواقعها.
الآن وبعد أكثر قليلا من أربعة أشهر على ثورة 25 يناير فإن حرية الرأى وحرية التعبير فى الكتابة السياسية بمعناها الواسع اكتسبت وهجا شديدا لم يكن له مثيل فى أى وقت منذ بداية الخمسينيات من القرن الماضى. لا أظن أن أحدا ينكر أن حرية الرأى والتعبير تعيش مهرجانا غير محدود بوقت ولا بقضايا محددة ولا بأماكن دون غيرها. إننى أشعر ــ على المستوى الشخصى أن ثورة مصر الشباب كفلت لى حقا مطلقا فى التعبير عن الرأى كما ينبثق داخلى متفاعلا مع الأحداث المحيطة والحوارات والمناقشات التى لا غنى عن متابعتها ومتابعة تفصيلاتها.
••••
هنا ومع هذه اللحظات التى لم تمر بى على مدى سنين العمر الطويلة استطيع أن أجزم بأننى أملك حق الإدلاء بالشهادة عن درجة الوعى أو الشعور بالتغيير الثورى. هل أعنى أننى أعود إلى الشعور نفسه الذى كان يلازمنى إبان عهد عبدالناصر؟ هل تتسم كتابتى فى عهد الثورة بطابع التأييد النابع من شعور مخلص بأن البلد على الطريق الصحيح؟
إننى أظن أن الثورة أعطتنى ما هو أكثر من هذا. أعطتنى جوا عاما من حرية التعبير استنشق فيه ما يصدر من آراء حرة من كتاب آخرين أكاد أقول كل الكتاب الآخرين لولا استثناءات قليلة ترتبط بماضى الأعوام الثلاثين الأخيرة. لقد عادت ممارسة الكتابة فى الرأى السياسى لتصبح ممارسة مباشرة فى العمل السياسى دون قيود ودون ــ وهذا أهم ــ خوف أو تردد. استطيع أن أكتب ممتدحا المجلس الأعلى للقوات المسلحة ــ وهو السلطة الأعلى فى المرحلة الانتقالية ــ دون أن أتوقع موقعا خاصا أو إشادة بما أقول. وأستطيع أن أكتب منتقدا هذا المجلس أو رئيسه أو أيا من أعضائه فى أى شأن كان دون أن أتوقع عقابا مرئيا أو مخفيا، بل حتى دون أن اتوقع تجاهلا لما أقول.
ولقد تعرض المجلس العسكرى والحكومة وأركان الحكم فيها خلال الشهرين الأخيرين للانتقادات التى أستطيع أن أصفها بأنها تفوق كثيرا ما يتعرض له الرئيس الأمريكى أوباما وإدارته فى الولايات المتحدة التى تعد المثل الأعلى لحرية الرأى والتعبير. واستجابات المجلس والحكومة وأركانها لهذه الانتقادات تدور فى حدود احترام الرأى الآخر الذى قد يوجب الاستجابة له أو الرد عليه. ويمكن القول إن السلطة الثورية التى تحكم فى هذا العهد تبدى ثقة لا حدود لها فى سلامة النوايا من جانب كتّاب الرأى السياسى بصورة تتجاوز التوقعات من الكتاب فضلا عن القراء الذين هم جماهير هذا الوطن فى أكثر دوائرهم وعيا بالثورة ومقتضياتها ومتطلباتها ونتائجها.
هذه الثورة وما أتاحته لى ولأمثالى فى العمر وفى مهنة الكتابة السياسية تعطى كل المؤشرات على انها قادرة على تجاوز التحديات داخلية كانت أو خارجية. نعم إنها ثورة حقيقية ومصرية إلى الأعماق وديمقراطية إلى حد لا يمكن تحديه.