لم أتصور فى أى وقت من حياتى إننى سأعيش لأرى عناوين الصحف فى بلادى تحمل عنوانا يقول «مساعدة مصرية لإسرائيل...». لم أتصور ذلك أيا كان نوع المساعدة المصرية لإسرائيل وأيا كان مجاله وأيا كانت ظروفه.
لا. ليس لأننى ضد السلام بمعنى مطلق. لا. ليس لأننى لا أريد أبدا وإلى الأبد أى سلام مع إسرائيل.. إنما لأننى أتصور شروطا موضوعية وعقلانية لسلام وتطبيع مع إسرائيل لا يحدث جزئيا ولا كليا إلا فى ظل سلام شامل عربى معها. إنما لأننى أتصور أن وصول الأمور إلى هذا المستوى من المودة والصداقة مستبعد تماما إلى ما بعد عمر طويل، أطول كثيرا من عمرى الفردى المفترض.
فإن تقدم مصر مساعدة لإسرائيل هو فعل يتطلب تطبيعا للعلاقات بين مصر وإسرائيل والدلائل كل الدلائل تؤكد ــ ولا تشير فحسب ــ إن الشعب المصرى لا يريد تطبيعا مع إسرائيل، وانه بوعيه السياسى بكل تفصيلات القضية ــ قضية الصراع العربى ــ الإسرائيلى الذى دفع فيه «دم قلبه» وأكثر ــ يدرك أن عقد معاهدة كامب ديفيد مع إسرائيل لا يعنى تطبيعا، وإن إسرائيل بكل سلوكياتها بعد كامب ديفيد لا تزال فى صراع مع الوطن العربى كله، وإنها لا تتقدم باتجاه حل أساس هذا الصراع، وهو الاحتلال الإسرائيلى لفلسطين. بالتالى إن زمنا طويلا سيمضى قبل أن يقبل الشعب المصرى بالذات تطبيع العلاقات مع إسرائيل إلى حد مد يد المساعدة لها عندما تكون بحاجة إليها، كما كانت مع حرائق منطقة الكرمل.
لهذه الاعتبارات فإننى أتساءل من اتخذ فى حكومة مصر هذا القرار بمساعدة إسرائيل؟ هل اتخذ القرار بطريقة ديمقراطية فتم بالتصويت فى مجلس الوزراء مثلا، أو فى إحدى اللجان المتخصصة أو أينما كان؟ وفى هذه الحالة من صوت معه ولماذا ومن صوت ضده ولماذا؟ الذى اعرفه ويعرفه كل مصرى وكل عربى ان هذا القرار بمساعدة إسرائيل اتخذ وإسرائيل تتخذ اكثر مواقفها تعنتا إزاء المحاولات الأمريكية ــ والعربية طبعا ــ لمواصلة المفاوضات مع السلطة الفلسطينية، وإن إسرائيل تعنتت إلى حد إحراج الإدارة الأمريكية، وإحراج كل الراغبين فى السلام معها، وبينهم بالتأكيد السلطة الفلسطينية. الذى أعرفه ويعرفه كل مصرى وكل عربى أن هذا القرار جاء فى وقت واحد مع استمرار إسرائيل فى فرض الحصار على شعب غزة الفلسطينى السجين ضد كل ما يريد الرأى العام العالمى، ومعظم دول العالم بما فيها الولايات المتحدة وأوروبا.
فكيف أمكن تبرير هذا القرار؟
هل دافع أحد من المسئولين، الذين وافقوا على هذا القرار عن المستوى الأخلاقى، الذى تسلك به إسرائيل إزاء العرب فلسطينيين وغير فلسطينيين؟ وهل قال أحدهم إن مساعدة إسرائيل على إطفاء حرائق الكرمل وسيلة أخلاقية ترد على الطريقة، التى سلكت بها إسرائيل ضد تركيا والأتراك فى التصدى لقافلة المساعدات، التى كانت متجهة لغزة بكمية من الأغذية ولعب الأطفال فقوبلت برصاص القوات الخاصة الإسرائيلية فسقط تسعة أتراك صرعى لأنهم أرادوا «مساعدة» الفلسطينيين فى غزة المحاصرة؟ هل قال أحدهم إن إسرائيل هذه، التى نعرفها جيدا يمكن ان تسلك على هذا النحو فتقدم مساعدة للفلسطينيين أو اللبنانيين أو السوريين إذا شب فى نواحيهم مثل هذا الحريق؟
لقد أجادت إسرائيل إشعال الحرائق على نطاق واسع ومدمر فى غزة، وقبل ذلك فى كل أنحاء لبنان ولن تتردد إسرائيل ــ وهى لم تتردد فى الماضى ــ فى إشعال حرائق كثيفة وكاسحة فى أراضى السوريين فى الجولان، وآخر اعتداءاتها كان على موقع فى دير الزور السورية بزعم أنه موقع لمؤسسة نووية. وعدا ذلك فإن أحدا ــ عربيا كان أو غير عربى ــ لم يشاهد إسرائيل فى دور المنقذ أبدا ما دام الضحية عربيا وما دام سقوطه بنيران إسرائيلية.
بل إن إسرائيل ما كانت لتمد يد المساعدة لعرب إسرائيل ــ أى عرب 1948 الذين استمروا فى العيش داخل إسرائيل ــ لو أن هذا الحريق طالهم. إن إسرائيل تفكر وتخطط للتخلص من هؤلاء وإقصائهم فى أقرب وقت ممكن، ولعل إحاطتهم بحرائق من هذا القبيل ليست مستبعدة. بل إنه من الصعب تصور أن تمد إسرائيل يد المساعدة لفلسطينيى الضفة الغربية إذا تعرضوا لكارثة من صنع الطبيعة. أما إذا كانت الكارثة من صنع إسرائيلى فمن باب أولى لن تتقدم إسرائيل لمد يد المساعدة لإخمادها.
إن ما ألم بغزة على يد إسرائيل فى شتاء 2008ــ2009 كان بمقاييس الكوارث أفدح بكثير من حرائق الكرمل، لكننا لم نر مصر الرسمية تهب إلى نجدة الفلسطينيين هناك. فهل كان ذلك لمجرد أن ما لحق بغزة كان من فعل إسرائيل والمعاهدات بيننا وبينها تمنعنا من ان «نتدخل» لمساعدة تهدف إلى إطفاء حرائق أشعلتها إسرائيل بالطائرات والصواريخ؟
الأمر المؤكد أن خبر المساعدة المصرية لإسرائيل لم يكن بأى حال ضمن «تسريبات ويكيليكس» للوثائق الدبلوماسية السرية الأمريكية.. وإلا لأحيط بالتشكيك واتهامات التزوير والتلفيق والأغراض السيئة ربما الإسرائيلية فى الأساس.
والأمر المؤكد أيضا أن خبر المساعدة المصرية لإسرائيل إنما جاء خافتا فى ظل الصخب الشديد، الذى كانت تعيش فيه مصر أيام انتخابات مجلس الشعب الأخيرة. وربما هناك ما يدعو للاعتقاد بأن الذين اتخذوه إنما فعلوا ذلك تحت شعور بإمكان تزوير إرادة المصريين بشأن التطبيع مع إسرائيل، فى الوقت الذى يرون فيه المصريين مشغولين تماما بالشأن الانتخابى وما تردد أثناءه عن تزوير إرادة الناخبين المصريين.
أغلب الظن أن موسم التزوير أو مناخ التزوير كان طاغيا إلى حد أغرى بتزوير آخر بدا للمسئولين الذين أقدموا عليه أبسط وأهدأ تأثيرا.. تزوير ينال أيضا من إرادة الشعب المصرى والكيفية، التى يريد ان يرد بها على اعتداءات إسرائيل وتجاوزاتها. فى حين يرى الشعب المصرى أن لا مجال للتطبيع مع إسرائيل يرى «المسئولون» أن التطبيع واجب، وباسم الشعب المصرى لابد أن نهب لنجدة إسرائيل من حريق الكرمل. ومن يدرى قد يتكرر هذا التزوير إذا ألمت بإسرائيل مصيبة أخرى من هذا النوع أو غيره.
ويحق لنا بعد هذا ان نتساءل: ماذا كان سيحدث لو أن مصر الرسمية لم تقدم على مساعدة إسرائيل على إطفاء حريق الكرمل؟
لا يمكن أن يذهب بنا الظن إلى أننا نكون عندئذ مهددين برد انتقامى من جانب إسرائيل، أو بقطع للمساعدات من جانب أمريكا أو بإدانة رسمية من جانب الاتحاد الأوروبى. فالواقع أن دولا كثيرة فى العالم لم تقدم مساعدات لإسرائيل لمواجهة هذا الحريق ولم تتعرض لأى نوع من العقوبة. بل إن أيا من البرازيل والأرجنتين لم تخش أن تتخذ قرارها بالاعتراف بدولة فلسطين فى حدود عام 1967 فى الوقت الذى كانت حرائق الكرمل لا تزال مستعرة (...)
وأخيرا فقد كانت حرائق الكرمل المناسبة الأولى حتى الآن، التى سمعنا فيها بين ردود الفعل القادمة من داخل إسرائيل أن إسرائيل أدركت أنها لا تملك ــ كما كانت تظن ــ كل الوسائل لمواجهة الكوارث من هذا القبيل.. ألم يكن الشعب العربى على الأقل يستحق أن يعيش هذه اللحظات لفترة أطول يرى فيها إسرائيل عاجزة عن التصدى لمثل هذه المشكلة بعد أن عاش لسبعين عاما يراها قادرة على إشعالها؟