على مائدة الشيخ راشد - نيفين مسعد - بوابة الشروق
الخميس 3 أبريل 2025 3:55 ص القاهرة

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تتوقع نجاح اتفاق الهدنة في غزة؟

على مائدة الشيخ راشد

نشر فى : الخميس 16 فبراير 2012 - 9:35 ص | آخر تحديث : الخميس 16 فبراير 2012 - 9:35 ص

عدت قبل أسبوع من تونس بعد أن حضرت الندوة الضخمة التى نظمها مركز دراسات الوحدة العربية ببيروت حول «الثورة والانتقال الديمقراطى فى الوطن العربى». حضر الندوة قرابة ستين مفكرا من مختلف الأقطار العربية، وتوزعت أوراق الندوة على الثورات والحركات الاحتجاجية العربية التى تخلقت من رحم ثورة الياسمين. افتتح أعمال الندوة المهندس حمادى الجبالى رئيس الوزراء التونسى كما ترأس إحدى جلساتها الشيخ راشد الغنوشى وقدم فيها هو وصهره وزير الخارجية الدكتور رفيق عبدالسلام مداخلتين حول تطور الأوضاع فى تونس.

 

عندما جلس الشيخ راشد ليتناول غداءه مع الحاضرين لم يكن من الصعب علىّ أن أجد إلى جواره مقعدا خاليا، فقد خلت مائدة الرجل من حضور مسئولين كبار، وتلك مناسبة لأسجل فيها تقديرى للبساطة التى مشى بها الرجل بين الناس، واستسلامه لعشرات الفلاشات التى برقت لتسجل رفقته لهذا الشخص أو ذاك من بين الحضور، ويده الممدودة بالسلام لرجال الندوة ونسائها، واعتذاره المهذب عن دعمه لنظام البشير بأن هذا الدعم بدا له هو الصواب فى حينه ثم تبين له الرشد من الغى فأسقط الإشارة الإيجابية لهذا النظام الديكتاتورى من الطبعة الثانية لكتابه «الحريات العامة فى الدولة الإسلامية» اللفتات البسيطة السابقة ساهمت فى إذابة الجليد وتوارى فى حضورها أثر حضور حارسين قويى البنية لاحقت عيونهما خطوات الشيخ راشد فلم يلحظهما إلا متابع. خلع الرجل طاقيته التى تشبه تلك التى يضعها حامد كرزاى على رأسه، وطلب إناء من حساء العدس مجاملة للإخوة المصريين كما قال، وامتد بيننا حبل الحديث.

 

●●●

 

فى اليوم نفسه الذى وصلت فيه إلى تونس أى يوم 5 فبراير الماضى كان هناك لغط شديد مبعثه منشور بُث على الإنترنت منسوب إلى حركة النهضة ويشير فصله العاشر إلى اعتماد الشريعة الإسلامية لتكون هى المصدر الرئيسى للتشريع. مبعث اللغط كان هو أن أيا من الوثائق المنظمة للجزء الأول من المرحلة الانتقالية لم يتضمن أى إشارة لعلاقة الدين بالتشريع، وبالتالى فإن رواج المنشور الجديد المنسوب للنهضة يترك الانطباع بأن الحركة غيرت موقفها أو أن تمسكها السابق بتجنب ربط الإسلام بالعملية التشريعية مثل عبئا عليها لم تعد قادرة على تحمله، فإلى أى مدى يصح هذا الاستنتاج؟ عندما وجهت سؤالا بهذا المعنى للشيخ راشد نفى أن يكون المنشور صادرا عن النهضة وذكر أن البرنامج الانتخابى للحركة خلا من تلك الإشارة، ثم أردف قائلا: لكننا لا نتبرأ من الشريعة وهناك تطبيقات مختلفة لها كما فى إيران وأفغانستان والسودان. وفى المساء استضافت قناة تونسية أحد المنتمين لحركة النهضة ووجهت له السؤال نفسه فرد ردا مشابها للشق الأول من رد الشيخ راشد، ثم أضاف قائلا إن من الطبيعى أن تكون الشريعة المصدر الرئيسى للتشريع فى بلد كل سكانه مسلمون. وعندما سأله المذيع لكن تطبيقات الشريعة حمالة أوجه فكيف يكون النص على ما هو متغير فى الدستور، أجاب بأن قانون العمل أيضا يعتمد على العرف مصدرا للتشريع وليس أكثر تغيرا من العرف. انتهيتُ إلى خلاصة مؤادها أن حركة النهضة تراجع موقفها من مسألة ربط الدين بالتشريع، وأن النص المسرب للإنترنت على الأرجح يعبر عن اتجاه الحركة للتعامل مع هذه القضية فى الدستور الجديد. ومثل هذا التطور يعنى أن يحتدم الصراع الداخلى فى تونس لأنه فى الوقت الذى تثار فيه قضية تطبيق الشريعة سنجد فى تونس متناقضين : الأول هو حملة من النساء «العازبات» أى غير المتزوجات من أجل انتزاع الضمان الاجتماعى لأبنائهن ورفع رواتبهن أسوة بما يحدث مع الأمهات المتزوجات زواجا شرعيا. والثانى هو إنشاء فريق من السلفيين إمارة إسلامية مستقلة فى مدينة سجنان فى الشمال الغربى من البلاد وذلك قبل تدخل وزارة الداخلية وفرار الأمير إلى الجبل.

 

●●●

 

السؤال الآخر الذى وجهته للشيخ راشد كان يتعلق بكيفية التعاطى مع المشكلة الأمنية خصوصا بعد تشكيل حكومة النهضة. وكانت تونس فى ذلك الوقت قد روعت بحدثين يعبران عن خرق أمنى واضح، الأول فى بئر على بن خليفة فى محافظة صفاقس وسط البلاد عندما كان يعد فريق من المسلحين لتدبير تفجيرات فى مناطق تونسية متفرقة غير أنه تم اكتشاف أمرهم فأردى اثنان منهم قتيلين وأوقف ثالث. والثانى قرب مدينة تالة الشمالية التى تحاصرها الثلوج من كل صوب، وذلك عندما قيل إن هجوما وقع على شاحنة عسكرية كانت تحمل المؤن لأهل تالة وهو ما نفته مصادر رسمية دون أن يتبدد الغموض المحيط بالحدث. فى إجابته على السؤال ركز الشيخ راشد على أن حكومة النهضة تولى قضية الأمن أولوية خاصة، ومن إجراءاتها فى هذا الخصوص عزل رئيس قوات التدخل المتهم بقتل عشرات التوانسة ورغم ذلك ظل فى منصبه حتى شكل حمادى الجبالى حكومته فتمت إزاحة الرجل. وعندما لجأ هذا الأخير إلى تحريك بعض القوات التى تأتمر بأمره (ويبلغ إجماليها 15.000 فرد أمن) واعتصموا أمام وزارة الداخلية طاردهم المواطنون وحرروا الوزارة. إذن كان أول إجراء يتعلق بالتطهير. أما الإجراء الثانى فكان تعيين وزير للداخلية من خارج الوزارة، وهو القيادى الشهير بحركة النهضة على العريض، ومعلوم أن مدنية وزير الداخلية من أهم مطالب ثوار مصر كجزء من عملية إعادة الهيكلة. الإجراء الثالث تمثل فى استحداث وزارة لحقوق الإنسان والعدالة الانتقالية يرأسها أحد أعضاء النهضة هو المحامى سمير ديلو. الإجراء الرابع والأخير تعلق بمواصلة جهود إصلاح وزارة الداخلية التى بدأت قبل الانتخابات التشريعية من خلال عقد ندوات توعوية لرجال الأمن ودعوة مختصين من ألمانيا ودول أخرى للمحاضرة فيها والتدريب على ما سمى ثقافة الأمن الجمهورى. تذكرت ما قاله رئيس الوزراء حمادى الجبالى فى مستهل الندوة حول حرص الثورة التونسية على عدم المساس بثلاث مؤسسات رئيسية مع الإقرار بالحاجة الماسة إلى تطويرها، وتلك هى مؤسسة الداخلية ومؤسسة الجيش والجهاز الإدارى، وقارنت ذلك بالمحاولات المتكررة لاقتحام مقر وزارة الداخلية فى مصر وإسقاط مصداقية الجيش.

 

●●●

 

السؤال الثالث الذى أثرته مع الشيخ راشد كان عن شكل النظام الذى تفضله حركته عند وضع الدستور الجديد فأجاب بأنه النظام البرلمانى ثم استدرك قائلا لكن لا يبدو أننا مؤهلون له بعد، وبالتالى فلعل الأفضل هو الذهاب للنظام المختلط. عندما طرحت هذا السؤال على الشيخ كانت فى ذهنى علاقة الشراكة القائمة بين رئيس الجمهورية ورئيس الوزارة التونسيين فى كل شىء حتى فى رسم السياسة الخارجية. وفى ذهنى أيضا أن قرار الرئيس التونسى بطرد سفير سوريا وقطع العلاقة مع سوريا ربما يكون قد تجاوز حدود علاقة الشراكة المشار إليها لأن رئيس الوزارة كان يفضل التريث قبل الذهاب لخطوة قطع العلاقات، بينما رأى رئيس الجمهورية أن قراره بشأن سوريا إنما يليق بثورة. وبالتالى فربما يكون الأجدى مستقبلا تحصين قرارات رئيس الجمهورية فيما يخص القضايا الجوهرية بموافقة الأغلبية البرلمانية، أولا لأن هذا يوسع قاعدة التشاور فى الأمور الحيوية، وثانيا لأنه يتجنب النتائج المحتملة للخلاف فى وجهات النظر بين رجلين كل منهما يأتى من خلفية سياسية مختلفة، وتلك خاصية تعزز المكون البرلمانى للنظام الجديد.

 

●●●

 

نبهنى جارى على الطاولة د. يوسف الصوانى أن حوارى مع الشيخ راشد صرفه عن تناول الطعام فتوقفت. وفى صباح اليوم التالى حظيت مساهمات الشيخ راشد فى الندوة بتغطية واسعة خصوصا ما قاله عن ضرورة مد الجسور بين التيارات العلمانية المعتدلة والتيارات الإسلامية المعتدلة، وكان ذلك جزءا من نقاش أوسع تخلل كل الجلسات، وهو أمر جدير بالنقاش لكن فى مقال لاحق.

نيفين مسعد أستاذة بكليّة الاقتصاد والعلوم السياسيّة جامعة القاهرة. عضو حاليّ فى المجلس القوميّ لحقوق الإنسان. شغلت سابقاً منصب وكيلة معهد البحوث والدراسات العربيّة ثمّ مديرته. وهي أيضاً عضو سابق فى المجلس القوميّ للمرأة. حائزة على درجتي الماجستير والدكتوراه من كليّة الاقتصاد والعلوم السياسيّة – جامعة القاهرة، ومتخصّصة فى فرع السياسة المقارنة وبشكلٍ أخصّ في النظم السياسيّة العربيّة. عضو اللجنة التنفيذية ومجلس أمناء مركز دراسات الوحدة العربية ببيروت. عضو لجنة الاقتصاد والعلوم السياسية بالمجلس الأعلى للثقافة. عضو الهيئة الاستشارية بمجلات المستقبل العربي والسياسة الدولية والديمقراطية
التعليقات