أنهى قرار الرئيس محمد مرسى بإحالة المشير حسين طنطاوى والفريق سامى عنان للتقاعد، أنهى الازدواجية التى كانت تميز عملية صنع القرار وحدد جهة المسئولية فى شخص الرئيس بعد أن كانت ضائعة بين المجلس الأعلى والمؤسسات المنتخبة. وكلنا يذكر الاتهامات التى كان يوجهها مجلس الشعب السابق لحكومة الجنزورى المعينة من المجلس الأعلى والتى تتعلق بافتعال الأزمات لإحراج النواب وذلك قبل أن يتخذ مرسى من الجنزورى واحدا من طاقم مستشاريه. الآن الرئيس اختار الحكومة، وألغى الإعلان الدستورى المكمل وأصدر بديلا له رغم تحفظ رجال قانون أبرزهم المستشار طارق البشرى، ولا وجود لدور سياسى للجيش، إذن فلا ازدواجية.
ومع أنه من المبكر جدا الحديث عن تبلور خصائص واضحة لعملية صنع القرار فى عهد الرئيس الجديد، إلا أنه يمكن استخلاص عدة مؤشرات ومتابعة تطورها مستقبلا. أولا استحدث مرسى تقليدا محمودا يتعلق بالتغطية الشهرية لقراراته وأنشطته لكننى أظن أن هناك حاجة ماسة إلى غربلة تلك الأنشطة. ليس من المعقول أن يتضمن بيان المتحدث باسم الرئيس وفقا لما نشرته جريدة اليوم السابع فى 31 يوليو أنشطة من قبيل قيام الرئيس بأداء الصلاة فى كل من الشرقية والفيوم فصلاة الرئيس لنفسه وليست للشعب، أو أنه التقى ب 66 رئيس حى ومدير إدارة عامة فعلاوة على أن التقاء رؤساء الأحياء هو مسئولية المحافظين فإنه من غير المتصور الزج بكل تحركات الرئيس وسكناته فى البيان الشهرى، أما إشارة البيان إلى برنامج « الشعب يسأل والرئيس يجيب» فأظن أن هذه التجربة برمتها لم تكن موفقة.
●●●
ثانيا بدا مرسى حاسما وسريعا فى القرارات التى تتعلق بهيبته وصلاحياته، فيما بدأ متباطئا فى قضايا أخرى تحتاج إلى سرعة تحرك كقضية الفتنة الطائفية. نموذج للقرارات الأولى إقالة مدير المخابرات العامة ورئيس الشرطة العسكرية وقائد الحرس الجمهورى، وهى القرارات التى اتخذت على خلفية التقصير فى تأمين موكب الرئيس مما منعه من تشييع شهداء سيناء. ومثال آخر تلك القرارات الأشد إثارة والمتعلقة بإحالة المشير ورئيس الأركان وقادة الأفرع الرئيسية للتقاعد، فهذه القرارات بالطبع يبررها الأداء الكارثى لكبار المسئولين العسكريين فى جريمة سيناء، لكن يمكن أيضا تبريرها بالصراع المكتوم على السلطة بين الرئيس والمجلس الأعلى للقوات المسلحة، فهذا الصراع ظهرت شواهده فى رفض مرسى حلف اليمين بداية أمام المحكمة الدستورية، ثم تأكيده فى التحرير على أنه مصمم على ممارسة كل صلاحياته، ثم ترؤوسه اجتماع للمجلس الأعلى، واخيرا جاء الحسم.
قارن هذا الحسم وتلك السرعة بالموقف من فتنة دهشور. عندما اندلعت أحداث دهشور الدامية فجر يوم الثلاثاء 31 يوليو الماضى بتراشق مسلمى القرية ومسيحييها بزجاجات المولوتوف ما أصاب بعض الأهالى ورجال الأمن، وحاول المخربون اقتحام كنيسة القرية وهاجموا بيوت المسيحيين ومتاجرهم، وصولا إلى التطور الأسوأ برحيل أو ترحيل الأسر المسيحية، عندما وقعت تلك الأحداث كانت قد انقضت خمسة أيام كاملة على بداية الفتنة بالخلاف المخزى بين مكوجى مسيحى وزبون مسلم. ونعرف كيف اعتدنا فى ظل الجو المسموم الذى نعيش فيه على تطور كل خلاف بين مسلم ومسيحى إلى مشروع لفتنة طائفية وبالتالى كان المفروض أن تقوم الرئاسة بمتابعة ما يحدث فى دهشور منذ اليوم الأول كما فعل السادات مع أحداث الزاوية الحمرا حيث خاطب الشعب وأعد الدكتور جمال العطيفى تقريره الشامل الذى نعود إليه حتى الآن. لكن تحرك مرسى جاء متأخرا، فوجه عبر الصفحة الرسمية للرئاسة يوم الثلاثاء 2 أغسطس « تعليماته المشددة « للمسئولين والجهات المعنية لتطبيق القانون بكل حسم. وعندما تظاهر الأقباط أمام الكاتدرائية يوم الخميس 3 أغسطس لم يذهب الرئيس ليصلى الجمعة فى دهشور بل صلى فى قنا ومن هناك وصف أحداث دهشور بأنها « مؤسفة وسيأخذ القانون مجراه «، مستشاره القانونى هو الذى صلى فى دهشور وما كان هذا يليق. أكثر من ذلك زار مرسى الأقصر وسأل السائحين « هل تشعرون بالأمان ؟ « وأظن أن سؤالا مماثلا كان حريا به أن يوجهه إلى المسيحيين فى قرية دهشور حتى وإن لم تعجبه إجاباتهم. عاد معظم أهل القرية، تم تعويضهم، ألقى القبض على بعض المتورطين، لكن منع تكرار ما حدث يحتاج إلى خلية للإنذار المبكر بمواطن التوتر الطائفى، وتفعيل قانون تجريم التمييز، ويحتاج قبل ذلك إلى تسمية الأشياء بمسمياتها، فحين يخرج علينا وزير الداخلية الحالى قائلا إن أحداث دهشور « لا يمكن وصفها بأنها فتنة طائفية «، أرد عليه وماذا يجمع المهجرين طالما أنهم من غير أهل الجانى إلا الدين الواحد ؟ رجاء كفوا عن أسلوب مبارك.
●●●
ثالثا ما زال الغموض يحيط بصنع القرار فى عهد مرسى، وما زال الشعب متروكا لاجتهاده لتفسير ما يتخذه الرئيس من قرارات. وبدلا من أن يخرج وزير الاستثمار الحالى بعد أول لقاء له مع رئيس الوزراء يهدد القنوات التى تبث الشائعات بالغلق، كان الأولى بمرسى ومن حوله أن يبددوا الغموض الذى تنمو فيه الشائعات. الشعب يريد أن يعرف الحقيقة، ونرفض قول مرسى « لن أظلم أحدا فى دولتى» فمصر ليست دولة الرئيس كما كان يقول لويس الرابع عشر، مصر دولة شعبها.
●●●
رابعا من سيحاسب الرئيس؟ فور أن تسأل هذا السؤال ستواجه سؤالا مضادا هو ومن كان يحاسب المجلس العسكرى؟ لكن لأصحاب هذا السؤال المضاد أذكر شعار» يسقط يسقط حكم العسكر» الذى تردد، ولا يستقيم أن يجمع الرئيس كل السلطات بين يديه، ولا يعقل أن نمنحه حق إعادة تشكيل الجمعية التأسيسية وهو الذى سبق أن وعد بذلك فى اجتماع فيرمونت ولم ينفذ. نحتاج للتفكير فى حل بديل كأن نعهد لمجموعة مصغرة من 10 إلى 15 شخص منبثقة عن مجلس الشعب السابق وممثلة لأحزابه ومستقليه لتباشر التشريع لحين إجراء الانتخابات، والمجال مفتوح للاجتهاد.