يبدو أن قادة الإخوان المسلمين يتصورون أنهم بصدد إقامة نظام أقرب ما يكون شبها بالنظام القائم فى الولايات المتحدة.
أنهم يتصورون أن نظامهم إذا استقر، واستقر لهم الحكم فيه سيكون أقرب إلى النظام الأمريكى، حيث تسود ديمقراطية فى ظل حكم رأسمالى كامل الأوصاف، بمعنى أنه نظام لا يسعى ولا يمكن أن يعترف بعدالة اجتماعية.
صحيح أن النظام الإخوانى فى مصر لا يشبه بأى حال من الأحوال النظام الأمريكى، خاصة من ناحية وجود ديمقراطية لها مصادر قوتها وقدرتها على الصمود فى غيبة شبه كاملة للعدالة الاجتماعية ــ إلا أن الإخوان المسلمين لابد أن يكون لديهم تصور بأن نظامهم عندما يستقر سيكون أقرب ما يكون إلى النظام الأمريكى. ذلك لأن تنظيم الإخوان المسلمين يتمسك أكثر ما يتمسك بمجتمع تسوده التفاوتات الطبقية بين الحكام والمحكومين. وهم يرون فى المجتمع الأمريكى أفضل صورة ممكنة لهذا الواقع. وهم يرون أيضا أنه حينما تستقر الأحوال فى المدن والقرى المصرية بعد فترة انتقالية سيكون النظام السائد هو نظام الرأسمالية كما يتمثل فى طبقة بالغة الثراء تقدر ثرواتها بالمليارات وطبقة عاملة تعيش حياة يمكن اعتبارها حياة راضية، لكنها لا ترقى أبدا إلى مستوى الطبقة الحاكمة الثرية. وإذا أمكن لطبقة متوسطة أن تجد لها مكانا قريبا من الطبقة الدنيا العاملة إنما أرفع منها قيمة ودخلا، فإن هذه الطبقة الوسطى لن تكون معتمدة إلا على قوة عملها بالدرجة الأولى وليس على قوة الاستثمار الرأسمالى. هى إذن أقرب إلى الطبقة العاملة ولا تتطلع إلا بصورة فردية إلى الطبقة الرأسمالية العليا.
أعود فأؤكد أن هذا ما اعتقده تصور الإخوان المسلمين. وبالتالى فهو لا يعنى أى تأكيد بأن تنظيم الإخوان سيتمكن من إنجاز هذا التصور عمليا على أرض الواقع المصرى. إن تنظيم الإخوان بحكم الاتصالات التى تقوم الآن بينه وبين النظام الأمريكى الحاكم ينقل هذا التصور إلى الأصدقاء الأمريكيين، ويتصور أن يحصل منهم على كل مساندة ممكنة لتحقيقه. ولابد فى هذا الإطار أن يكون تصور الإخوان المسلمين أنه فى وجود بلد رأسمالى من الألف إلى الياء لن يقوم خلاف جذرى من أى نوع يهدد العلاقة مع الأمريكيين.
●●●
فماذا نقول إذن حينما يبدو واضحا أن الولايات المتحدة منزعجة ولا تبدى أى رغبة فى إخفاء هذا الانزعاج من تراجع الديمقراطية فى مصر فى ظل حكم الإخوان المسلمين. ألا يعنى هذا أن تنظيم الإخوان الحاكم إنما يبالغ فى المدى الذى يصل اليه استعداد الأمريكيين للتهاون بشأن الديمقراطية فى مصر مقابل حرص التنظيم الإخوانى الحاكم على اتباع ما يتصور أنه النموذج الأقرب إلى النظام الأمريكى كنظام اقتصادى ــ اجتماعى يراعى قواعد الرأسمالية ولا يهتم بقواعد العدالة الاجتماعية؟
لعل الإخوان المسلمين كتنظيم حاكم يبنى تصوره هذا على ملاحظة مفادها أنه لا توجد خلافات بين أمريكا وأى نظام حاكم ــ فى أى منطقة من العالم ــ تتركز على الديمقراطية، ومهما كان بعد هذا النظام عن الديمقراطية. وإذا صح هذا التصور الإخوانى فإنه يقودهم أيضا إلى اعتقاد بأن النظام الأمريكى يمكن أن يتحصن بقدر من الصبر إزاء أحداث مصر الراهنة انتظارا لعودة الهدوء إلى البلد إذا ما بدا أن المشكلات التى يعانى منها ابتداء من انعدام الأمن وانعدام الاستقرار السياسى والاقتصادى إلى ارتفاع الاسعار إلى اختفاء السلع الضرورية ستجد لها حلولا بصفة تدريجية بحيث يسود فى النهاية القدر اللازم من الاستقرار، وبالتالى الهدوء أو بالأحرى الهدوء، وبالتالى الاستقرار. خلال هذه التطورات فإنه إذا بدا أن النظام الإخوانى الحاكم لم يبتعد عن الرأسمالية كنظام لا يكون هناك أى احتمال لأن تتراجع أمريكا عن تأييدها ومساندتها لهذا النظام. وهذا انعكاس للوضع الداخلى فى أمريكا. اذ لا يرقى أى خلاف بين فريقين فى أمريكا إلى مستوى الصدام الذى يهدد النظام الرأسمالى إلا اذا بدا أن أحد الفريقين يتخذ موقفا لا يكتفى بانتقاد الرأسمالية انما يتصادم معها ويقترب فى هذا الصدام إلى استخدام العنف بهدف قيادة أمريكا إلى مسار يؤدى إلى نظام آخر. وحتى الآن فإنه لا يبدو أن أمريكا تقترب من هذا الصدام بأى شكل من أشكاله أو بأى درجة من عنفه.
●●●
إن ما يبدو بالنسبة لاستقرار النظام الحاكم فى أمريكا هو أن الشعب الأمريكى يبدو أكثر اقتناعا مما كان فى أى وقت مضى بأن الديمقراطية هى الطريق الأوحد إلى تغيير النظام الاقتصادى ــ الاجتماعى. أى أن الديمقراطية أثبتت بالنسبة للشعب الأمريكى إنها الوسيلة الممكنة لإحداث التغيير نحو نظام يكفل العدالة الاجتماعية. فكيف يفكر الإخوان المسلمون فى هذه النقطة؟ هل يعرفون يقينا أن ما وصلت إليه أمريكا بشأن التغيير عبر الأساليب الديمقراطية يمثل نقطة ارتقاء لا يمكن تصور وصول الوضع فى مصر إلى وضع قريب منها؟ أم أنهم يتصورون أن لدى النظام الأمريكى الحاكم استعدادا لترك مصر لظروفها فيما يتعلق بالسير عبر الممر الديمقراطى نحو التغيير، تستطيع ذلك أو تعجز عنه؟
إن تجربة أمريكا فى علاقاتها ببلدان العالم الثالث تؤكد أنه لا يهاب أمريكا ويسير على خطاها إلا من يستقوون على شعوبهم بعلاقتهم بالنظام الأمريكى الحاكم. وتعرف أمريكا هذه الحقيقة ولا يبدو أنها تغيب عنها. ولابد بالتالى من أن نكون واعين بأن الولايات المتحدة تستخدم أسلوب التحذير لتنظيم الإخوان المسلمين الحاكم فى ظروفه الراهنة فى مصر. وإن لهذا التحذير حدوده التى قد تدعو إلى تخفيف الضغط على الإخوان المسلمين أو تشديده. يخف الضغط إذا كان تقدير الأجهزة الأمريكية إن حكم الإخوان لا يمكن أن يحتمل ضغطا أمريكيا أشد، ويشتد الضغط اذا كان تقديره إن حكم الإخوان بسبيل السقوط. وتحرص أمريكا أشد الحرص على أن تبدو أنها هى العامل الحاسم فى سقوط أى نظام، وهى أيضا العامل الحاسم فى صعود أى نظام. وهذا بصرف النظر عما إذا كانت ضغوط القوى والعوامل الداخلية فى البلد المعنى هى التى تلعب الدور الرئيسى فى التغيير.
●●●
إن أمريكا تخشى الآن من أن يكون إخفاق الإخوان فى حكم مصر واندحارهم فيها بداية لإخفاقهم فى المنطقة ككل. وبالتالى إخفاق ما اسمى بثورات «الربيع العربى». وبالتالى فإن علينا أن نرقب الموقف الأمريكى من تطورات الوضع ــ الوضع الإخوانى أساسا ــ فى مصر.
ليس من مجال أمام أمريكا للمغامرة بشأن من يحكم فى مصر فى المرحلة المقبلة.
أما عن الحكم الإخوانى فإنه يعلق مصيره لأسباب موضوعية ولأسباب ذاتية بموقف أمريكا. لهذا لا يملك إلا أن يتمسك بقاعدة الإبقاء على الديمقراطية والاستغناء عن العدالة الاجتماعية. ومن الواضح أنه غير قادر على الجزء الأول من المعادلة، الأمر الذى يغضب أمريكا، ويتمسك بالجزء الثانى منها، الأمر الذى يضعف موقفه الداخلى وغالبا ما سيطيح به.
كاتب صحفى مصرى