للدولة معنى.. وللوطـن معنى آخـر - سمير كرم - بوابة الشروق
الجمعة 4 أبريل 2025 7:26 م القاهرة

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تتوقع نجاح اتفاق الهدنة في غزة؟

للدولة معنى.. وللوطـن معنى آخـر

نشر فى : الأربعاء 17 نوفمبر 2010 - 11:27 ص | آخر تحديث : الأربعاء 17 نوفمبر 2010 - 11:27 ص

قد تبدو المشكلة المطروحة فى هذا المقال مشكلة لغوية أو حتى لفظية. ولكن هذا لا يتعدى سطحها.

فالواقع إنها واحدة من اهم مشكلات الفلسفة السياسية منذ عهد ماكيافيللى فى بدايات عصر النهضة إلى عهد ريتشارد رولز أستاذ الفلسفة السياسية المعاصر، والماركسيين الجدد فى كتاباتهم بعد تفكك الاتحاد السوفييتى.

لكننا بالتأكيد معنيون بها كمسألة تخص مصر والسياسة المصرية، خاصة أنه يبدو أن تقديس الدولة سمة مصرية قديمة ترجع إلى الدولة الفرعونية.

والسؤال المطروح فى أساس هذه المشكلة هو لماذا يتغلب مفهوم الدولة فى مصر، خاصة على مفهوم الوطن حتى الآن ونحن قد أنهينا العقد الأول من القرن الحادى والعشرين؟

فالملاحظ أننا فى مصر ننسب إلى الدولة ولا ننسب إلى الأمة أو الوطن أو المجتمع.. فنحن نقول ــ على سبيل المثال ــ أمن الدولة بينما نعنى أمن المجتمع ككل أو أمن الوطن. ونقول ملكية الدولة وأرض الدولة وأراضى الدولة حينما نقصد ما هو ملكية عامة أو ملكية للوطن والمجتمع وليس قسما محددا منه.

بل إننا نقول أمن الدولة حينما نقصد الأمن القومى أى أمن الأمة أو الوطن ككل. وبالمثل نتحدث عن مستقبل الدولة أو نظام الدولة.

ومعنى هذا أننا نحل الدولة محل الوطن أو المجتمع ككل.

وليس خافيا حتى على الفرد العادى أن مفهوم الدولة إنما يشير إلى التنظيم السياسى أو الجسم السياسى أو مؤسسات الحكومة التى تقبض على السلطة وتنظمها وتحميها.

وفى التعريفات النظرية فإن الدولة هى مجموعة متميزة من المؤسسات التى تملك صنع القواعد التى تحكم المجتمع. وأحد أشهر التعريفات للدولة هو تعريف وضعه المفكر الاجتماعى الألمانى ماكس فيبر (1864ــ1920) يقول فيه إن الدولة تملك «احتكارا للعنف المشروع داخل إقليم محدد. من هنا فإن الدولة تتضمن مؤسسات مثل القوات المسلحة أو الخدمة المدنية أو بيروقراطية الدولة والقضاء والمجالس المحلية والقومية المؤلفة من ممثلين منتخبين مثل البرلمان. وبالتالى فإن الدولة هى مجموعة من المؤسسات التى تصف الأرض والحدود لصراعات سياسية بين مصالح متباينة على استخدام المصادر واتجاه السياسة العامة.. لهذا فمن الصعب تعريف مصالح دولة ما، حيث إن الأجزاء المختلفة من أجهزة الدولة يمكن ان تكون ذات مصالح مختلفة وأن تعبر عن تفضيلات متصارعة».

ولم يبتعد فيبر فى هذا التعريف كثيرا عن تعريف الماركسية للدولة باعتبارها المؤسسة التى تضمن سيطرة طبقة معينة على الطبقات الأخرى، وهى فى هذا تتجاوز كل المؤسسات الأخرى التى تدافع عن سيطرة طبقة معينة (هى بطبيعة الحال طبقة أصحاب رءوس الأموال).

وربما يكون الفارق الاساسى بين فيبر وماركس هنا أن الأول اعتبر عنف الدولة فى أدائها لمهمتها عنفا مشروعا، أما ماركس فانه لم يعترف بأى مشروعية للدولة فى أداء دور السيطرة الطبقية، أو هو بالأحرى لم يهتم بأى درجة بشرعية هذا الدور أو عدم شرعيته طالما أنه أدانه من البداية إلى النهاية، واعتبر أن تحرير الإنسانية يكون بالقضاء على سيطرة الطبقة على بقية الطبقات، ويكون ذلك بالقضاء على الدولة بصفتها أداة هذه السيطرة.
على أى الأحوال فإن تقديس الدولة أو وضعها فوق الاعتبارات القومية والمجتمعية ليس قاصرا على مصر. لقد تحولت سيطرة الدولة إلى واقع فى عديد من النظم خاصة النظم غير الديمقراطية. ولهذا ظهر فى المصطلحات السياسية مصطلح خاص بسيطرة الدولة بمعنى غير ذلك المعنى الطبقى الذى اهتمت به الماركسية. ظهر مصطلح STATISM وقد أصبح المقصود به الايمان بسيطرة الدولة، وخاصة على الجانب الاقتصادى من حياة المجتمع وتفوقها على كل ما عداها من مؤسسات.

وقد اكتسب هذا المصطلح شعبية بين الكتاب السياسيين والمنظرين الاجتماعيين اثناء الحرب العالمية الاولى.

ولكنه لايزال قيد التداول حتى الآن. وعلى سبيل المثال فإن الكاتب السياسى والشاعر المكسيكى اوكتافيو باز كتب فى صحيفة نيويورك تايمز فى عام 1988 «إننى أعتقد أن نزعة سيطرة الدولة والنزعة الشعبية هما تجربتان حاولناهما بالفعل وادّيا بنا إلى كارثة».


بل إن هذا المصطلح الدال على سيطرة الدولة استخدم فى حالات الديمقراطية واستخدم غالبا لشن الهجوم على الأخذين بهذه السيطرة. ولايزال الجمهوريون الأمريكيون ــ فى الحملات الانتخابية ــ يهاجمون منافسيهم الديمقراطيين بوصفهم «يحملون طاعونا غادرا من سيطرة دولة الرفاهية».

ونعود ــ بعد هذه الإطلالة السريعة على مفهوم الدولة وسيطرتها ــ إلى تقديس الدولة فى مصر.
واما استخدامنا لكلمة تقديس فمرجعه إلى أن الظاهرة ليست فحسب قديمة قدم التاريخ المصرى بل إلى ارتباطها فى الدولة الفرعونية بالدين. فقد ارتبطت الدولة بالدين فى العهود الفرعونية المختلفة مما أكسب الدولة نوعا من القداسة تجاوز حدود شخصية الفرعون ــ الإله.

وقد حدث هذا فى مجتمع كان وحده الذى أوجد الدولة كأداة أو مؤسسة لتنظيم المجتمع والعلاقات فيه بين السادة والعبيد وبين طواقم أجهزة السلطة بما فيها الجيش وجباة الضرائب والقضاة...إلخ. ولكن الفرعون بقى هو رمز الدولة بقدر ما بقى رمز الإله بالمعنى الدينى المهيمن.

ربما لهذا لانزال نستخدم فى مصر تعبير دين الدولة حينما نعنى ديانة الغالبية من المجتمع. وكان تعبير دين الدولة قائما فى العهود الفرعونية للتمييز بينه وبين الديانة الشعبية التى تمثلت لعصور طويلة فى الاساطير الدينية عن إيزيس وأوزوريس.

ولكنه ــ أى تعبير دين الدولة ــ لايزال مستخدما إلى يومنا هذا على الرغم من غياب كامل للديانات الشعبية الاسطورية. ولقد جاء وقت انتصرت فيه الديانات الشعبية الاسطورية بصورة كاملة ــ حسب ما يقول المؤرخون ــ على دين الدولة.

ففى عصر الأهرامات انتصرت الديانة الشعبية على دين الدولة المتمثل فى الإله رع. وهو وضع لم يلبث أن حدث عكسه عندما أقبلت عامة الشعب على اعتناق المعتقدات الملكية القديمة عن الاخرة وانتشار السحر.

ما نود أن ننتهى إليه هو أنه لم تعد هناك مبررات قديمة أو حديثة لاستمرار الإنسان المصرى فى إظهار تقديسه لمفهوم الدولة. لقد انتشر فى الآونة الأخيرة بصورة غير مبررة استخدام تعبير أراضى الدولة. ومع انتشاره تترسخ الأخطاء الناجمة عن الاعتقاد بأن مؤسسات الدولة هى المالك الحقيقى لأراضى مصر... فى حين أن أراضى مصر هى ملكية عامة أو ملكية العامة أو ملكية المجتمع ككل. وإذا قسنا على ذلك تعبيرات مثل أمن الدولة نتبين بوضوح أن الدولة هنا تدعى أن أمنها هو المقصود فى حين أن القصد الحقيقى هو الأمن القومى أو أمن المجتمع. وفضلا عن ذلك فإن مصطلح «التأميم» مشتق من كلمة الأمة وليس من كلمة الدولة، ولهذا فهو يعنى نقل الملكية الخاصة إلى الملكية العامة بمعنى ملكية الأمة.

على أى الأحوال لابد أن تزول صفة القداسة عن الدولة لأنها هنا قداسة مزيفة، مبنية على فهم خاطئ أدى لاستخدام خاطئ للتعابير. وليس المطلوب شيئا أكثر من تصحيح استخدامنا للمصطلحات. ينبغى من الآن أن نقول الأمن القومى، أراضى المجتمع، الملكية العامة... كى لا نظن أن الدولة تريد لنفسها كل هذا. 
 

سمير كرم  كاتب سياسي مصري
التعليقات