ما بين الديمقراطية الأمريكية والحرب - سمير كرم - بوابة الشروق
الجمعة 4 أبريل 2025 7:45 م القاهرة

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تتوقع نجاح اتفاق الهدنة في غزة؟

ما بين الديمقراطية الأمريكية والحرب

نشر فى : الأربعاء 18 سبتمبر 2013 - 8:00 ص | آخر تحديث : الأربعاء 18 سبتمبر 2013 - 8:00 ص

كثيرا ما حيرتنا السياسة الأمريكية خاصة بشأن التزامها بالديمقراطية. هذه معضلة حلها بسيط للغاية. أن الديمقراطية، حيثما وجدت، هى سياسة داخلية بحتة. وأما فيما يتعلق بالسياسة الخارجية فإنها تبقى شأنا داخليا يتعلق بسياسة الدولة التى تتخذ قرار شن الحرب.

الولايات المتحدة، باعتبارها أكثر دول العالم انخراطا فى الحروب منذ تأسيسها، هى مثال واضح على هذا. مهما كانت انتقادات المفكرين والكتاب الأمريكيين وغيرهم، التقدميين بوجه خاص، لممارسات الديمقراطية الأمريكية، فإنه من اليسير الموافقة على أن السياسة الداخلية الأمريكية سياسة ديمقراطية سواء كانت تتناول شئون الاقتصاد والميزانية أو الانتخابات بمستوياتها المختلفة أو أدوار النقابات العمالية والمهنية أو حق التظاهر أو حقوق الكتاب الأمريكيين فى انتقاد سياسات الفئة الحاكمة بغض النظر عن انتمائها للحزب الديمقراطى أو الجمهورى.. إلخ. وتصبح المسألة أكثر تعقيدا عندما يتعلق الأمر بقرار استخدام القوة العسكرية الأمريكية. ونظرا لأن مناقشة مثل هذا القرار تتعلق بشأن لا ديمقراطى فى جوهره فإن الأمر يصبح بالغ الصعوبة. ولعلنا تبينّا مدى هذه الصعوبة خلال مناقشة مسألة شن هجوم عسكرى أمريكى على سوريا. حتى مناقشة الكونجرس الأمريكى للمسألة تاهت فيها مسألة الديمقراطية تماما إلى حد قيل معه إن أعضاء مجلس الشيوخ حصلوا على أموال ليصوتوا إلى جانب قرار الرئيس أوباما باستخدام القوة الجوية ضد سوريا عقابا لها على استخدام أسلحة كيماوية ضد قوات المعارضة.

●●●

والحقيقة أن مشكلة الديمقراطية ومسألة الحرب مشكلة أمريكية قديمة حتى إن مؤلف أهم كتاب عن «الديمقراطية الأمريكية» ــ وهو الفرنسى الكسى دى توكفيل ــ وهو كتاب صدر أول ما صدر فى عام 1848 فى 1060 صفحة ــ تناول العلاقة بين الديمقراطية والحرب فى المجلد الثانى من كتابه الضخم. وكان أهم ما قاله فى هذا الصدد: «إن جميع أهل الطموح المنضوين فى جيش ديمقراطى يتمنون الحرب باندفاع، لأن الحرب تخلى المناصب وتتيح خرق حق الأقدمية، وهو الامتياز الوحيد فى الديمقراطية. ونخلص من هذا إلى هذه النتيجة الفريدة: إن الجيوش الديمقراطية هى اكثر الجيوش اشتهاء للحرب، وأن الشعوب الديمقراطية هى أشد الشعوب شغفا بالسلم».

وينطبق ما قاله دى توكفيل على الحالة التى شهدناها هذه الأيام بشأن قرار أوباما توجيه ضربة عسكرية إلى سوريا بناء على اتهام، لم تثبت صحته ولم يحاول الرئيس الأمريكى نفسه البرهنة على صحته، بأن النظام السورى هاجم المعارضة (السورية وغير السورية) بأسلحة كيماوية. إنما المهم إن ما قاله المؤلف الفرنسى يبرهن على أن قرار الحرب حتى عندما تتخذه حكومة ديمقراطية لا يكون بالضرورة قرارا ديمقراطيا ولا تصحبه إجراءات ديمقراطية. بل يمكننا القول إن قرار الحرب ينحى الديمقراطية جانبا. وليس أدل على ذلك من حقيقة بعد المسافة بين الولايات المتحدة وسوريا فلا يمكن معها الظن بأن أمريكا تدافع عن نفسها ضد سوريا. أما القول بأن الولايات المتحدة تدافع عن مصالحها فى منطقة الشرق الأوسط فيرد عليه بأن أمريكا تركت هذه الحرب الداخلية فى سوريا لأكثر من ثلاثين شهرا دون أن تمس مصالحها من قريب أو بعيد بما فى ذلك تدفق البترول عليها من مصادره العربية.

●●●

لقد برهنت الولايات المتحدة هذه المرة على أنها تحتاج بشدة إلى خوض حرب جديدة كلما لاحت لها الفرصة لذلك، بصرف النظر عن الديمقراطية وبصرف النظر عن المصالح الأمريكية وبصرف النظر عن مصالح حلفائها. وربما نتساءل: ولماذا تحتاج الولايات المتحدة إلى خوض حرب جديدة فيما هى منغمسة بالفعل فى حرب فى أفغانستان، وقد قررت بالفعل الانسحاب منها فى العام المقبل؟

ويبدو أن الولايات المتحدة لا تشعر بارتياح إلى إثبات مكانتها العالمية إلا من خلال الحرب أو بالأحرى من خلال استخدام القوة. الولايات المتحدة بحاجة دائمة إلى البرهنة على قدرتها العسكرية. وهذا لا يكفى بحد ذاته. إنها بحاجة لأن تستخدم أسلحتها فى ميادين قتال جديدة لتبرهن للعالم ــ الأصدقاء والأعداء على السواء ــ إنها قوية، وتملك أسلحة لا قبل لأحد بمقاومتها.

وقد يؤدى هذا إلى البرهنة على أن الديمقراطية الأمريكية لا تستطيع أن تتصدى لهذه الرغبة العارمة فى خوض الحرب. بل إن الديمقراطية الأمريكية تستخدم كذريعة للبرهنة على ضرورة الحرب. ولا فرق هنا بين الحرب والتدخل من جانب الولايات المتحدة لخلق أوضاع معينة فى منطقة أو فى بلد ما باستخدام الأساليب السياسية فى الضغط، ومن بينها قطع المعونات كليا أو جزئيا. ويبقى شبح الحرب ماثلا.

 

كاتب صحفى مصرى

سمير كرم  كاتب سياسي مصري
التعليقات