ربما يكون من المفيد ان نبدأ بتعريف قاموسى لمعنى الكلمة الإسبانية التى تستخدم للدلالة على «مجلس القيادة العسكرى. وهى تنطق فى إسبانيا ــ حيث بدأت ــ وفى الولايات المتحدة «هونتا»، أما فى بلاد الإنجليز فانها تنطق «جونتا» كما تكتب Junta.
وقد بدأ استخدامها فى إسبانيا فى عام 1808 لتصف المجموعات القيادية التى تكونت أثناء حرب شبه الجزيرة الايبيرية ضد نابليون. وانتشر استخدامها بعد ذلك فى أمريكا اللاتينية للدلالة على مجلس اتى لتولى السلطة نتيجة لاستخدام القوة أو نتيجة لثورة. وعادة ما تستخدم هذه اللفظة فى حالة المجالس المؤلفة من قادة عسكريين. ويستخدم الإسبان كلمة كابال Cabal حين تكون مجموعة القادة فى المجموعة مؤلفة من غير العسكريين فى معظمها.
ونستنتج من هذا التعريف القاموسى ان المجلس الأعلى للقوات المسلحة فى بلادنا ليس مجلسا لقيادة الثورة. وقد عرفنا مجلس قيادة الثورة فى ثورة 23 يوليو 1952 والفنا طريقته فى قيادة الثورة والبلاد لعدة سنوات وعرفنا من خلاله ما تعنيه ثورات اخرى جرت بعد ثورة 52 المصرية مثل الثورة العراقية والثورة الكوبية وثورات ليبيا وإثيوبيا والصومال وكذلك ثورة البرتغال التى اطاحت بالدكتاتورية التى امتدت لسنوات قليلة بعد سالازار، وثورة اليونان التى اطاحت بالملكية.
●●●
مع ذلك ــ وهذا هو موضوعنا ــ فانه يبدو ان كثيرين منا، حتى من بين السياسيين أو من نسميهم القوى السياسية، ينظرون إلى المجلس الأعلى للقوات المسلحة لدينا على انه مجلس لقيادة الثورة ويطالبونه بإن يتصرف ويقود ويتخذ اجراءات الحكم كما لو كان مجلسا لقيادة الثورة. وبطبيعة الحال فإن هذا يرجع إلى حقيقة ان ثورة 25 يناير جاءت بدون مجلس لقيادة الثورة، بل بدون قيادة محددة فضلا عن انها بدون قيادة عسكرية.
ولكن استمرار التعامل مع المجلس الأعلى ــ الذى اصبحنا نسميه اختصارا المجلس العسكرى مما يزيد فى الالتباس ــ على انه مجلس لقيادة الثورة فى غياب مثل هذا المجلس فى تكوين ثورة 25 يناير، لا يقتصر على هذا الالتباس فى المفاهيم انما يؤدى إلى تحميل المجلس الأعلى للقوات المسلحة فوق ما يحتمل وربما فوق ما يرضاه لنفسه فى الدور الذى اختاره له التاريخ عندما قرر الوقوف إلى جانب الثورة لا ضدها.
ان معظم القوى السياسية فى بلادنا تطالب المجلس الأعلى بان يسلك سلوك قيادة الثورة فى كثير من المواقف والمهام التى يتصدى لها. بل ان المجلس أصبح محل النقد بل الاتهام فى بعض الحالات، وكان آخرها على سبيل المثال تصور دور للمجلس فى احداث ماسبيرو الطائفية. ولكن هذا المجلس الذى عاصر النظام القديم ولم ينقلب عليه لا يملك فى تركيبته الحالية ــ وهى نفسها تركيبته التى احتفظ بها لسنوات سابقة ــ اية عناصر انتمت لثورة 25 يناير كما نعرفهم الآن. فلا هو كان على معرفة سابقة بهم ولا هو رأى من المناسب أو الممكن ضم عناصر من هذه القيادة إلى صفوفه. فإن أيا منهم ليس عسكريا، حتى وإن كان بعضهم قد ادى الخدمة العسكرية فى المرحلة العمرية التى يتم فيها ذلك.
ان نظرة سريعة إلى المطالب التى ترفعها الأحزاب السياسية والجمعيات الاهلية والمدنية التى تسعى لاستكمال مسيرة الثورة إلى المجلس الأعلى توحى بان هذه الأحزاب والجمعيات انما تعتقد ان بامكان المجلس الأعلى ان يؤدى دور مجلس قيادة الثورة من موقع المسئولية التى تولاها نتيجة لانهيار النظام القديم الذى كان يرأسه حسنى مبارك. يصدق هذا على المطالب المتعلقة بالدستور وتلك المتعلقة بالانتخابات وكذلك المطالب الخاصة بتحديد مدة الفترة الانتقالية ومتى تنتهى وكيف وماذا يكون بعدها.
حتى حينما انتشرت «التكهنات» بشأن احتمال ترشيح رئيس المجلس ــ المشير حسين طنطاوى ــ لخوض معركة الرئاسة فى نهاية الفترة الانتقالية كان ثمة اعتقاد، انتشر مع هذه التكهنات، التى اعقبت ظهور المشير مرتديا زيا مدنيا فى شوارع القاهرة يحادث الجماهير، بان المشير انما يسلك على النحو الذى يسلكه رئيس مجلس قيادة الثورة ضمانا لاستمرار هيمنة المجلس على السلطة. وقد بذل المشير والناطقون بلسانه أو المؤيدون للمجلس وموضوعيته ونزاهته كل الجهد الممكن لتأكيد مدى ابتعاد هذه التكهنات عن الحقيقة. فلا المشير يريد الرئاسة ولا يحضر نفسه لخوض انتخاباتها.
وقد كان يكفى ان يعلن المجلس الأعلى للقوات المسلحة انه ليس مجلسا لقيادة الثورة كأقصر طريق إلى نفى هذا التوجه فى أفكار بعض الناس.
بل الحقيقة ان بعض القوى (الدول) الأجنبية التى ترتبط بعلاقات خاصة مع مصر ــ وهذا ما وصفت نفسها به الولايات المتحدة عند الحديث عن مهمة ليون بانيتا وزير الدفاع الامريكى الجديد فى مصر ضمن جولة فى الشرق الأوسط ــ تتصرف على نحو يظهر منه انها تعتبر المجلس الاعلى للقوات المسلحة بمثابة «هونتا» أى مجلس لقيادة الثورة. انها لا تريد فقط بحث قضايا وتطورات التحول الديمقراطى فى مصر، انها تريد ايضا بحث ما هو أكثر تعلقا بالأمد البعيد زمنيا حول «مستقبل العلاقات العسكرية بين البلدين». كما ان تكرار زيارات كبار القادة العسكريين الأمريكيين ــ مسئول المخابرات العسكرية وقائد القيادة المركزية الأمريكية وآخرون ــ خلال فترة قصيرة للغاية لا تتعدى أشهرا قليلة تترك انطباعا قويا بأن الولايات المتحدة تتعامل مع المجلس الأعلى باعتباره مجلس قيادة الثورة الجديد فى مصر، وبالتالى فإن عليها ان تطمئن من خلال الاجتماعات والمحادثات مع قياداته العليا إلى استمرار العلاقات مع مصر وغياب أى احتمال لان توجه الثورة مصر فى اتجاه أو اتجاهات مختلفة عن تلك التى سادت طوال سنوات النظام القديم فى الحكم، بما فى ذلك الفترة الساداتية.
ليس القصد هنا التقليل من احقية المجلس الأعلى للقوات المسلحة فى اتخاذ القرارات التى يستوجبها اداء ادارة شئون البلاد باعتباره صاحب السلطة فيها إلى ان تنتهى الفترة الانتقالية.
انما القصد هنا ايضاح الفرق بين سلطة مجلس قيادة الثورة ــ كما كان يمكن ان تكون لو وجد مثل هذا المجلس ــ وسلطة الفترة الانتقالية كما يتمتع بها ويؤديها المجلس الأعلى.
●●●
ان غياب القيادة عن ثورة 25 يناير ربما يكون قد تسبب فى كثير من المشكلات وضاعف مشكلات كانت قائمة قبل ذلك. ولكن فكرة تسليم البلاد والثورة فى نهاية الفترة الانتقالية جاهزة ثابتة لا حاجة بها إلى استخدام ديمقراطية ما بعد الفترة الانتقالية لتغيير ما ينبغى ان يتغير فى اوضاع البلاد الداخلية وفى علاقاتها الخارجية يمكن ان يتسبب فى انهاء الثورة قبل الأوان، قبل ان تحقق اهدافها وتفرض شعاراتها السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية.
ينبغى ألا يؤدى هذا التداخل بين مفهوم المجلس الاعلى للقوات المسلحة ومفهوم مجلس قيادة الثورة إلى اتخاذ قرارات والسير فى اجراءات من شأنها تصعيب مهمة السلطة التى ستأتى بها التغييرات الديمقراطية، خاصة تلك التى تتعلق بمطالب الثورة ودعواتها الرئيسية.
المطلوب من الآن حتى نهاية الفترة الانتقالية استغلال هذا الوقت فى التمهيد لتنفيذ ما تقتضيه الثورة، أى تحقيق مطالب الشعب التى لا يمكن تحقيقها فى الفترة الانتقالية، القصيرة بطبيعتها وبطبيعة اهدافها.
ليس المجلس الأعلى للقوات المسلحة مجلسا لقيادة الثورة. انه بصفته الحالية مجلس تسيير شئون البلاد لفترة مؤقتة.
والثورة لا تنتهى ولا يمكن ان تنتهى بانتخاب سلطة تنفيذية وسلطة تشريعية وانما لابد ان يؤدى انتخاب السلطتين إلى الاقدام على تحقيق مطالب الثورة. مطالب الشعب.