الإخوانية والوطنية - سمير كرم - بوابة الشروق
الجمعة 4 أبريل 2025 7:43 م القاهرة

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تتوقع نجاح اتفاق الهدنة في غزة؟

الإخوانية والوطنية

نشر فى : الأربعاء 20 مارس 2013 - 8:00 ص | آخر تحديث : الأربعاء 20 مارس 2013 - 8:00 ص

الانتماء السياسى لليسار أو لليمين جزء من الوطنية. الاهتمام بقضايا الوطن هو عادة الحافز الى الانضمام لحزب أو تنظيم سياسى أيا كان اتجاهه الفكرى أو العقائدى (الأيديولوجى). لهذا لا يمكن أن يتهم اليسار أو اليمين الآخر بانعدام الوطنية. إن الاهتمام بقضايا الوطن من زاوية رؤية تميل الى اليسار أو اليمين هو نقطة البداية التى تؤكد أن الفرد المعنى إنما يؤمن بضرورة العمل من أجل الوطن وحل مشاكله ــ مشاكل المواطنين ــ ويبدأ السعى من أجل الانخراط فى هذا العمل بالانضمام، أو حتى مجرد الانتماء دون الحصول على عضوية وبطاقة شخصية دالة على هذا الانتماء. وينطوى هذا على معنى التسليم بأن الحزب الذى ينضم أو ينتمى اليه هو الذى يعطيه الفرصة لخدمة الوطن سياسيا فى مواجهة المشكلات أو الاخطار الداخلية والخارجية، وخدمة المواطنين عن طريق تناول مشاكلهم والبحث لها عن حلول والمساهمة فى إيجاد تلك الحلول.

 

ينطبق هذا علينا فى مصر كما ينطبق على غيرنا فى أى بلد آخر. وعلى سبيل المثال فإن الانتماء الى الحزب الديمقراطى أو الحزب الجمهورى يدل بحد ذاته على اهتمام المواطن الأمريكى بأن يلعب دورا فاعلا فى خدمة الوطن ولا يهم بعد ذلك إذا كان ينتمى فكريا الى اليسار أو اليمين فى أى من الحزبين، أو إذا كان الانتماء للحزب الجمهورى يعنى أن الفرد العضو يتجه بفكره ناحية اليسار إذا انضم للحزب الديمقراطى أو ناحية اليمين إذا انضم للحزب الجمهورى.

 

هذه كلها مسلمات ربما لا تحتاج الى ايضاح إنما نسوقها لكى نحاول أن نفهم كيف يكون الوضع حينما يكون التنظيم السياسى أو الحزب الذى ينضم اليه المرء لا يعترف أصلا بـ«الوطنية» أو يؤمن بأن الوطنية تتعارض مع الدين، وأن الدين ينهى عن الوطنية. ماذا يكون الحال إذن حين يكون التنظيم السياسى رافضا لـ«الوطنية» بمعناها البسيط المفهوم، ورافضا بالتالى لـ«القومية» للاعتبارات نفسها التى ينسبها الى الدين.

 

•••

 

وبهذا المعنى نفسه فإن من يرفض الوطنية كمعنى سياسى أو كدافع للانضمام الى تنظيم ما يرفض أيضا وبالمثل أن يعترف باتجاه نحو اليسار أو اليمين فى إطار هذا التنظيم. نحن لا نسمع بالتأكيد ولا نقرأ عن عضو فى تنظيم الإخوان يتجه فكريا أو أيديولوجيا صوب اليسار أو اليمين. فهذا لا يتفق مع العقيدة الإخوانية أساسا. وتستند العقيدة الإخوانية فى ذلك الى تفسيراتها الخاصة لنصوص دينية بعينها.

 

ربما لهذا السبب لم نسمع أو نقرأ عن حركة استقالات من تنظيم الإخوان المسلمين خلال الفترة الأخيرة التى واكبت صعود هذا التنظيم الى السلطة وتميزت فى الوقت نفسه بوقوع هذا التنظيم فى سلاسل من الأخطاء فى ممارسته السلطة. ولا أظن أننا بحاجة الى سرد هذه الاخطاء الكثيرة وما أدت اليه من تراجع حاد فى «شعبية» تنظيم الإخوان المسلمين. بل وأدت الى مطالبات بأعلى الصوت من التنظيمات السياسية الأخرى يمينا ويسارا بضرورة إخراج الإخوان المسلمين من السلطة بصرف النظر عما إذا كانت هذه المطالبات ترتكز على إدراك بأن الإخوان المسلمين إنما حصلوا على السلطة بأساليب ديمقراطية أو غير ذلك. فحتى الذين لا يتهمون الإخوان بالصعود الى السلطة بأساليب غير ديمقراطية (كالتزوير أو التضليل) يظهرون إصرارا على ضرورة مغادرة الإخوان لمقاعد السلطة سواء تمثلت فى الرئاسة أو فى مجلس الوزراء أو غير ذلك من مستويات السلطة.

 

إنما المهم أن نعى أن بين المطالبين بخروج الإخوان من السلطة من يطعن فى قانونية تنظيم الإخوان المسلمين من الأساس ويطالب باتخاذ هذا الاتهام أساسا لإخراجهم من السلطة. أى أن هؤلاء لا يكتفون بأخطاء الإخوان السياسية والعملية ــ الاقتصادية والاجتماعية والقانونية...الخ ــ التى ارتكبوها بعد صعودهم الى السلطة، إنما يقدمون أسسا أكثر جوهرية لهذا الطلب.

 

•••

 

لقد تربينا جميعا كمصريين منذ نعومة اظفارنا على احترام الوطن الى حد التقديس. وتكونت لدينا عقليا ووجدانيا ونفسيا الأسس التى جعلتنا نفهم معانى الوطنية وما تقتضيه منا من التزامات، وحتى من تضحيات إذا استوجب هذه التضحيات دفاع عن الوطن أو ذود عن أرضه وميراثه وحدوده ومكانته فى إقليمه وفى العالم ككل.. الى أن ينضم أحد منا الى تنظيم الإخوان المسلمين فإنه عندئذ يخضع داخل التنظيم لتلقينات تنفى أهمية الوطن ومكانته والواجبات التى نشعر بها تجاهه فى مواقفه وظروفه المختلفة. ومع تطور ظروف الانتماء لتنظيم الإخوان المسلمين لا يعود بذل الروح من أجل الوطن مطلوبا، إنما يصبح بذل الروح أو ما دون ذلك مطلوبا من أجل التنظيم الإخوانى الكبير الواسع الذى يتجاوز حدود مصر، بل وحدود الوطن العربى الكبير، ومن أجل الاهداف العامة التى يستمدها هذا التنظيم من تفسيره للنصوص الدينية فى القرآن الكريم وفى سنة محمد عليه صلوات الله وسلامه.

 

فى هذا الاطار لا يعود الدفاع عن الوطن واجبا إذا انفصل لسبب أو لآخر عن الهدف الدينى. وهو ينفصل عن الهدف الدينى اذا كان العدوان على الوطن أو نهب حقوقه من الثروة الوطنية أو السيادة على أرضه آتيا من طرف يشترك مع الوطن ــ وهو فى حالتنا مصر ــ فى الدين واذا كان الهدف الذى يسعى اليه هذا الطرف هو هدف يجرى تصويره على انه هدف «اسلامى» بالمعنى الدينى.

 

اذا تصادمت المصالح بين مصر والسعودية مثلا فإن مواجهة الخطر السعودى على المصالح المصرية لا تعد هدفا مشروعا من وجهة نظر إخوانية، فمصالح الانتماء للإسلام كدين يمكن أن تقتضى التنازل عن مصالح مصرية لما فيه خير السعودية. وربما ينشأ هذا الوضع عن عدم اعتراف تنظيم الإخوان من بداياته وحتى الآن بمفهوم الدولة الحديثة وبالتالى بمفهوم الوطنية فى هذه الدولة الحديثة. وينطوى مفهوم الدولة الحديثة ــ عند الصدام الفكرى مع تنظيم الإخوان المسلمين ــ على نوع من «الشرك». بل إن مفهوم الوطن والوطنية بحد ذاته ينطوى فى رأى الاخوان المسلمين على «الشرك» لأنه فى هذه الحالة يقدم مصلحة الوطن على تفسير التنظيم لمعنى الولاء الدينى. إن الإسلام يستنكر ــ وفقا للتفسير الإخوانى ــ الوطنية بمعناها «الضيق» الذى تحدده المصالح المادية.

 

•••

 

نحن هنا بإزاء ما يمكن أن نسميه ازدراء الوطن  مستخدمين التعبير نفسه الذى تناول ازدراء الدين. ولعل تعبير ازدراء الدين استخدم فى البداية من جانب الجماعات «الدينية» والسلفية مثل الإخوان المسلمين بما هو أكثر كثيرا من معانى الرفض والنفور. الأقرب أن نقول إنه استقبل باعتباره انحرافا فكريا عن الدين. ولم يلبث ــ بعد أن استفاضت المناقشة وبعد أن تبين كم الاخطاء من جانب تنظيم الإخوان ــ أن اتضح أن «ازدراء الدين» إنما استخدم للتمويه على التفسيرات الإخوانية للنصوص الدينية فى مواجهتهم لاتهامات الأطراف التى تقاوم هذه التفسيرات.

 

الإخوان والوطنية نقيضان. وهما يلحان فى التواجد فى هذه المواجهة الخطرة نتيجة لخطأ كبير ارتكبه تنظيم الإخوان المسلمين من بداياته الأولى وهو: العمل بالسياسة وعدم الاكتفاء بالعمل بالدين.

 

 

 

كاتب صحفى مصرى

سمير كرم  كاتب سياسي مصري
التعليقات