الثورة ونظرية (حساب التكاليف) - سمير كرم - بوابة الشروق
الجمعة 4 أبريل 2025 7:23 م القاهرة

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تتوقع نجاح اتفاق الهدنة في غزة؟

الثورة ونظرية (حساب التكاليف)

نشر فى : الأربعاء 20 أبريل 2011 - 9:36 ص | آخر تحديث : الأربعاء 20 أبريل 2011 - 9:36 ص
فى أوائل الخمسينيات من القرن الماضى ــ بالتحديد فى العام الذى قامت فيه ثورة مصر فى 23 يوليو 1952 ــ ولدت فى الولايات المتحدة الأمريكية نظرية حملت فى البداية اسم «ثمن الثورة». ومع تطور فرع علم الاجتماع، الذى ظهرت فى اطاره هذه النظرية، وهو «علم اجتماع الثورة» تغير هذا الاسم إلى «حساب تكاليف الثورة».

فى إطار هذه النظرية وفى الولايات المتحدة أيضا ظهرت كتابات عديدة لعلماء الاجتماع الأمريكيين المتخصصين، كانت مهمتها البرهنة على أن التحولات الثورية فى العلاقات الاجتماعية تكلف ثمنا غاليا للغاية بالنسبة للمجتمع ككل وحتى بالنسبة لافراده. وبطبيعة الحال فإن العلماء الأمريكيين الذين تناولوا هذا الموضوع لم يقتصر تناولهم على الثورات التى وقعت فى ذلك الوقت أو قبله بقليل أو بعده بقليل. إنما امتدت معالجتهم لتشمل الثورات منذ الثورة الفرنسية فى أواخر القرن الثامن عشر حتى الثورة البلشفية الروسية فى عام 1917 حتى الثورة الصينية والثورة الكوبية، وكان من اليسير ملاحظة استثناء الثورة الأمريكية من نظرية حساب تكاليف الثورة (...) إنما جمع بين هؤلاء العلماء أيضا فى تحليلاتهم للثورات فى العقدين السادس والسابع من القرن الماضى ــ أى تلك الثورات التى شكلت بقيامها تحديا لدور الولايات المتحدة وسياساتها ــ تحذيرهم من أن المناهج الثورية لا تستحق القدر المريع من الطاقة الذى يصب فيها، فهى ــ أى الثورات الاجتماعية ــ تجلب كوارث لم يسبق لها مثيل ولا تتناسب نتائجها مع التضحيات التى تبذل من أجلها.
ووصفوا الثورة بأنها نمط من التغيير الاجتماعى هو الأكثر تبديدا للطاقة وأكثرها تكلفة وآخر ما ينبغى اختياره. وأصبح اجترار الأفكار حول التكاليف الباهظة للثورة أمرا شائعا فى الكتابات والدعايات الأمريكية ولا تزال هذه النظرية تحظى باهتمام كبير بين علماء اجتماع الثورة الغربيين حتى يومنا هذا، حيث يتردد القول بأن النمو الاقتصادى كان سيصبح أسرع وأقوى بدون الثورات. وأن الثورات تضع عوائق خطيرة فى طريق التطور الصناعى.

وحدهم علماء اجتماع الثورة من اليسار الماركسى تصدوا لهذه النظرية، مؤكدين أن ثمن الثورة الاجتماعية لا يمكن أن يقارن بالثمن الذى يتعين على المجتمع أن يدفعه مقابل استمرار وجود النظم القديمة فى الحكم. وبدورهم لم يقتصروا على تناول الثورات، التى كانت تقع فى وقتهم إنما دافعوا بشدة عن الثورات الكبرى والسابقة ابتداء من الثورة الفرنسية، مؤكدين أنها أعطت دفعة قوية للرأسمالية فى جميع أنحاء أوروبا، وكذلك فيما وراء الحدود الأوروبية. وأكدوا أن تكاليف الثورة تعوضها تماما المكاسب الاقتصادية الهائلة، التى يتم بلوغها نتيجة لإزالة البناء الفوقى السياسى القديم، الذى كان يؤخر انتصار النظام الاقتصادى ــ الاجتماعى الجديد الذى ترسيه الثورة.

وبطبيعة الحال فإن تفكك الاتحاد السوفييتى فى أوائل التسعينيات من القرن الماضى، وما تبعه من انفراط عقد النظم الاشتراكية فى بلدان أوروبا الشرقية، قد عزز وجهة نظر علماء أمريكا فى «تكاليف الثورة». لكن من الضرورى الإشارة إلى أن علماء اجتماع الثورة المنتمين لليسار الماركسى ــ بمن فيهم الأمريكيون والأوروبيون ــ لا يزالون متمسكين بوجهات نظرهم، ويؤكدون أن المعادين للثورة هم الذين يشكلون الشرارة، التى تندلع منها وحشية المعركة. فإنهم ما أن يسقطوا من قمة سلطتهم حتى يختلقوا كل أسباب التعطيل لوقف الثورة ولاستعادة ما فقدوه. وهم فى ذلك مستعدون للجوء لأى إجراء بما فى ذلك حمام الدم. وتعريض أرواح البشر لخطر اكيد. انما الفئات التى تتصادم مصالحها مع حاجات التطور الاجتماعى ومع إرادة الغالبية الشعبية هى التى تتحمل المسئولية التاريخية عن إراقة الدماء. لم تكن الثورة نفسها وإنما أفعال أعدائها هى التى تفسر السبب فى أن البشر العاديين هم الذين يدفعون الثمن الباهظ للثورة.. للنصر.

لم تتوقف جهود العلماء والمنظرين من اعداء الثورة عن التنظير فى هذا المجال. ولعل أهم الإضافات إلى نظرية حساب تكاليف الثورة ما جاء به الأمريكى كرين برينتون فى كتابه المعنون «تشريح الثورة»، الذى يتمتع فى الأوساط الأكاديمية الأمريكية بسمعة عالية، حيث يقول إن رد الفعل العكسى هو نتيجة محتومة للمحاولات غير الواقعية من جانب الثوريين لبناء فردوس على الأرض، ويرى برينتون أن رد الفعل العكسى أشبه ما يكون بالشفاء بعد مرض خطير، ويقول إن المجتمع شبكة من العلاقات الثابتة التى تكونت على مدى العصور، وفى مسار الثورات تعطل بعض هذه العلاقات ويحاول الثوريون أن يقيموا شبكة علاقات جديدة ولكن جهودهم تضيع هباء. فهذه الشبكة كانت أمتن من القوى التى تحاول تدميرها أو تغييرها. لهذا تبع ذلك حالة نقاهة وتحدث عودة إلى المسار الأبسط والأكثر أساسية الذى كانت تسير فيه التفاعلات فى الشبكة القديمة.

بالمقابل يتمسك المنظرين اليساريين بما قاله ماركس من إن الثورات هى قاطرات التاريخ، ويؤكدون أن معدل التقدم الاجتماعى يزدهر أضعافا كثيرة أثناء الحقب الثورية، فإن الثورة تجعل أمة تمر خلال خمس سنوات على أرض تمر عليها فى قرن بأكمله فى ظل ظروف عادية. ذلك أن الثورة تشرك، بنشاط، فى السياسة أعدادا هائلة من الناس العاديين الذين يبعدهم الحكام فى النظام القديم فى الأزمنة العادية عن السياسة. فجماهير الشعب لا تكون فى أى زمن غير زمن الثورات فى مركز يسمح لها بأن تتقدم بمثل هذا النشاط كخالقة لنظام اجتماعى جديد، كما تفعل فى زمن الثورة حين يكون الشعب قادرا على تحقيق معجزات بالقياس إلى المعيار المحدود معيار التقدم التدريجى البطىء.

من الواضح أن بإمكاننا أن نقرأ ظروف الثورة المصرية الحالية فى ضوء هذا الصراع النظرى الذى خلّفته نظرية حساب تكاليف الثورة، فإننا نكتشف بسهولة تامة إن كل محاولات الثورة المضادة التى تواجه هذه الثورة، حتى فى عملها اليومى، إنما تقوم على اساس اثبات ان للثورة تكاليف باهظة لا قبل للشعب بتحملها، بل لا قبل للاقتصاد الوطنى باحتمالها وأن ردود الفعل المتوالية يمكن ان تحدث ارتدادا إلى النظام القديم نتبين معه أن الثورة أوقعتنا فى خسائر ما كان أغنانا عن تحملها. بل إن مسار الثورة سينتهى بنا إلى السير فى طريق ارتدادى نعود فى نهايته إلى النظام القديم وإلى إنجازاته التدريجية البطيئة، إنما المضمونة.

كل هذا ونحن لا نزال فى أواخر الأشهر الثلاثة الأولى من الثورة. ويهم الثورة المضادة أكثر من أى شىء آخر وهى بصدد حساب تكاليف الثورة أن تغفل عن حساب المليارات المضاعفة، التى سرقت من ثروة الشعب، والتى يمكن أن تؤدى استعادتها إلى تأكيد حقيقة أن تكاليف الثورة اقل ــ ماليا واقتصاديا ــ بكثير حين تنجح الثورة فى استعادة الثروات المنهوبة والأراضى المسلوبة بواسطة فعاليات النظام القديم واساليبه غير المشروعة، واستعادة هذا كله هى فى حدود الممكن لا فى افاق المستحيل. وحتى إذا استعاد الشعب نصف ما هو مسلوب منه ستتأكد حقيقة زيف النظرية عن تكاليف الثورة التى تفوق مكاسبها.

إن الثورة المصرية تقدم نموذجا عمليا واضحا لزيف نظرية حساب تكاليف الثورة لأنها بمحض حساباتها الواقعية تؤكد أن حساب تكاليف الثورة المضادة أفدح بكثير وتفوق احتمال الشعب لسنوات وسنوات بل لعشرات السنين التالية. أنها تقدم أدلة قاطعة على ان تكاليف الثورة أقل بكثير من تكاليف النظام الذى أسقطته.

أما عند الحديث عن التضحيات البشرية من دماء الثوار والجماهير التى قدمت شهداءها دون تردد فإن هذه التضحيات تجعل انتصار الثورة فى المدى القصير والمدى البعيد حتمية لا مجال لإغفالها.
إن ثمن الثورة الاجتماعية لا يمكن أن يقارن بالثمن الذى يتعين على المجتمع أن يدفعه مقابل استمرار نظام الحكم القديم أو الارتداد إليه.

 

سمير كرم  كاتب سياسي مصري
التعليقات