تخوض مصر الآن حربا ثقافية. ولابد أن نعى هذه الحقيقة لأن الحرب الثقافية لا تستبعد العنف وبالتالى لا تستبعد التحول إلى حرب أهلية.
بدأت هذه الحرب الثقافية فور سقوط رأس النظام القديم بفعل الثورة الجماهيرية. بدأت بالتحديد فور بدء محاولة التيار الإسلامى أن ينسب الثورة إلى نفسه. تدريجيا بدأت قوى الثورة الجماهيرية تفقد سيطرتها على العمل الثورى. ربما ساعد على ذلك غياب القيادة الثورية وهو عامل تنبهت إليه الثورة مبكرة ولكنها لم تستطع حتى الآن أن تتداركه. هذا العامل نفسه تنبهت اليه قوى التيار الاسلامى وعملت على أن تحل محل القيادة الثورية الغائبة عن طريق شن حرب ثقافية على القوى الثورية الجماهيرية.
●●●
وقعت تطورات كثيرة خلال الفترة من بدء محاولة التيار الاسلامى الهيمنة ثقافيا وكان احد نتائجها ما أسفرت عنه انتخابات مجلس الشعب من فوز التيار الاسلامى السياسى (الإخوان المسلمون تحت تسمية حزب الحرية والعدالة والسلفيون تحت اسم حزب النور) بأغلبية كبيرة. أسهمت هذه النتيجة فى كشف هجمات الحرب الثقافية من جانب هذا التيار للهيمنة على الوضع الثقافى كوسيلة للهيمنة على الوضع السياسى. وها نحن بصدد حرب ثقافية كاملة بين التيار الاسلامى ــ بجانبيه الثقافى والسياسى ــ والتيار الجماهيرى الذى يمثل كل اطياف الثقافة العامة فى هذا الوطن. ولعله من المناسب أن ننبه من البداية إلى أن الحرب الثقافية شىء والثورة الثقافية شىء آخر. الثورة الثقافية فعل يلى الثورة السياسية الاجتماعية ويرمى إلى التمكين من سيطرة الثقافة القومية على الوضع بعد الثورة لحساب التيار الثورى المتمكن وحده من هذا الوضع. فى الثورة الثقافية لا يكون هناك طرف ثقافى آخر يتصارع مع الطرف الثقافى الذى يمثل الثورة. اذ لا يمكن خلق ثقافة اشتراكية ــ مثلا ــ دون ثورة اشتركية. اما فى الحرب الثقافية فإن هناك على الأقل طرفين يتصارعان على ثقافة الجماهير. وفى حالة مصر الراهنة فإن هناك الطرف الذى يمثل ثقافة الجماهير المصرية بشكل عام وهناك الطرف الثانى الذى لا يرضى بالانتماء إلى هذه الجماهير فى ثقافتها الفكرية والروحية والعقائدية ويريد أن يخضعها لثقافة روحية (دينية) احادية الجانب مصدرها الدين وتفسيراته القديمة.
●●●
لا يمكن خلق الثورة الثقافية دون ثورة عامة تسبقها. ومن التجربة المصرية الراهنة يمكننا أن نؤكد ايضا أن الحرب الثقافية تتفجر بعد ثورة عامة تسبقها. وفى إطار هذه التجربة الخاصة، التى لا تزال جارية فى الساحة المصرية فإن الحرب الثقافية استطاعت حتى الآن أن تطغى على الوضع العام وان ترغم الثورة على أن تتراجع، حتى وإن كنا على ثقة من أن هذا التراجع تكتيكى وليس استراتيجيا. بمعنى انه تراجع مؤقت وليس نهائيا، وبمعنى أن الثورة لم تفقد كل قواها ودوافعها الرامية إلى استعادة دورها الاجتماعى والفكرى وأيضا الثقافى.
ولن نستطيع أن نعى ضراوة الحرب الثقافية التى تفجرت نتيجة لرغبة تيار ثقافى معين فى السيطرة على الوضع برمته بجوانبه السياسية والاجتماعية. فخلال هذه الحرب يبدو الطرف الذى يحاول السيطرة مصمما على أن يهيمن على الاوضاع السياسية والاجتماعية والثقافية من خلال تغليب الثقافة الدينية ومفاهيمها الأولية على كل ثقافة أخرى. ويبدو هذا الهدف بعيد المنال على الرغم من أن التيار الدينى يلح على أنه إنما يعكس ثقافة الجماهير وافكارها واعتقاداتها. أما لماذا يبدو هذا هدفا بعيد المنال فلأن الثقافة الجماهيرية للشعب المصرى قديمة قدم التاريخ ومتنوعة المصادر والاتجاهات، وبالتالى فإنها تتمتع بثراء فذ بالمقارنة بمعظم مجتمعات العالم. وبالتالى فان محاولة تبذل من خلال حرب ثقافية مهما كانت شديدة الوطأة لا يمكن أن تسفر عن اخضاع هذه الثقافة الغنية لثقافة أحادية وإن كانت هذه تشكل جانبا واسعا ومهما من مكونات الثقافة المصرية العربية الإسلامية والإنسانية.
ولا شك أن دخول الثقافة الاسلامية بتقاليدها وطقوسها وأخلاقياتها ضمن الثقافة العامة للشعب المصرى هو امر يجعل من العسير نزع هذه الثقافة أولا من الثقافة العامة المصرية ويجعل من العسير اجبار الوعى المصرى على نسيان تام للجوانب الأخرى من ثقافته. مع ذلك فإن قوى التيار الدينى الإسلامى تبدو مصممة على المضى فى الحرب الثقافية لتحقيق هذا الهدف.
ولابد من التنبيه هنا أن أهم ــ بل أخطر ــ معارك الحرب الثقافية الجارية الآن فى مصر هى معركة الدستور. فالدستور هو الوثيقة الرئيسية والأساسية التى يفترض أن تعكس ثقافة الشعب المصرى والمبادئ التى يؤمن بها ويهتدى بها فى مواجهة مشكلاته الداخلية ومشكلاته وعلاقاته مع العالم الخارجى. ومن الواضح أن التيار الدينى يحارب من أجل أن يصوغ دستورا يعكس ثقافة دينية اسلامية تعكس فهمه الخاص لهذه الثقافة ولا يمكن أن تعكس استيعاب الجماهير المصرية.
وبالمثل فإن الحرب الثقافية ضد الثقافة العامة للشعب المصرى بفلاحيه وعماله ونخبه الثقافية تشمل معركة الرئاسة لأن الهجوم فيها يرمى إلى الاستيلاء على أرفع المناصب القيادية التى تملى على الجماهير مفاهيم محددة مستمدة من فهم التيار الدينى للدين الاسلامى ومبادئه واحكامه. ولهذا فإنه من المؤكد أن معركة الدستور ومعركة الرئاسة ستستمران إلى ما بعد الوصول إلى نتائج محددة فيهما. انهما جزءان اساسيان من هذه الحرب الثقافية.
●●●
وختاما لا بد من التأكيد بأنه فى الحرب الثقافية لا يوجد طرف ثالث مجهول. وعندما تحين لحظة الحسم فيها فإنه لا مفر من أن يكون المنتصر هو المحارب الذى يسعى لفرض سيطرته الاحادية أو هو المحارب من اجل اهداف الثورة كما ارتضتها الجماهير وخرجت تهتف لها.