فى الخلط بين الولايات المتحدة والأمم المتحدة - سمير كرم - بوابة الشروق
الجمعة 4 أبريل 2025 7:14 م القاهرة

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تتوقع نجاح اتفاق الهدنة في غزة؟

فى الخلط بين الولايات المتحدة والأمم المتحدة

نشر فى : الأربعاء 21 سبتمبر 2011 - 8:50 ص | آخر تحديث : الأربعاء 21 سبتمبر 2011 - 8:50 ص

لم يعد هناك مجال للاعتقاد أو الظن بإمكان الخلط بين الولايات المتحدة والأمم المتحدة. ليس فقط بسبب مدى الاختلاف بين الدولة الأمريكية والمنظمة الدولية وان كان كل منهما هو «الأعظم» الأولى كدولة والثانية كمنظمة دولية أكبر من كل المنظمات الأخرى.

 

لكن الولايات المتحدة تسلك كثيرا على نحو يدل على انها تخلط بين نفسها والأمم المتحدة. إنها فى الواقع الأكثر خلطا بينهما فى الواقع الدولى.

 

ومن أهم مواقع الخلط الأمريكى بين الولايات المتحدة والامم المتحدة ان الاولى تصدر عددا كبيرا من التقارير الدولية التى تتناول سلوك ومواقف دول العالم إزاء عدد كبير من القضايا والشئون الدولية. ويعرف من كانت له فرصة العمل كمراسل صحفى فى الولايات المتحدة سواء فى عاصمتها الرسمية واشنطن وعاصمتها المالية والثقافية نيويورك ضخامة التقارير التى تصدر سنويا عن وزارة الخارجية الأمريكية فى تقييم سياسات الدول الاعضاء فى الامم المتحدة. فهذه التقارير تشكل عبئا كبيرا على كل المراسلين من انحاء العالم الذين يغطون تطورات الولايات المتحدة وسياساتها.

 

واشهر هذه التقارير التقرير الضخم الذى يقع فى نحو 1500 صفحة ويصدر فى مارس من كل عام فى تقييم أوضاع حقوق الإنسان فى دول العالم، بما فى ذلك الولايات المتحدة نفسها. وقد ضم فى السنوات الأخيرة إلى هذه التقارير «الدولية» التى تصدر عن وزارة الخارجية الأمريكية تقرير «الحريات الدينية» الذى يصدر فى مثل هذا الوقت اى فى شهر سبتمبر من كل عام لتقييم أوضاع الحريات الدينية فى انحاء العالم. ومثل هذه التقارير يفترض ان تصدر عن الامم المتحدة مستخدمة المصادر الوطنية للدول الاعضاء فى المنظمة الدولية. ولكن الولايات المتحدة تعطى نفسها الحق الكامل والممارسة غير المحدودة فى إصدارها ومحاسبة الدول كافة عمَّا تعتبره اخفاقاتها فى المجالات المختلفة من حقوق الانسان إلى الحريات الدينية وغير ذلك من أنماط السلوك التى تمارسها الدول الأعضاء فى الولايات المتحدة.. عفوا الأعضاء فى الأمم المتحدة.

 

وليست هذه المرة الاولى التى يتهم فيها تقرير الخارجية الأمريكية عن اوضاع الحريات الدينية مصر بالاخفاق فى تحقيق مستوى مرض فى هذا المجال. وتميز تقرير هذا العام بتخصيص مكان اوسع للحديث عن الاحوال السلبية للحريات الدينية. ومن الواضح ان تقرير العام الحالى زاد العبء على مصر فى هذا الصدد عندما تحدث عن اعمال العنف الطائفى التى رصدها فى مصر بعد سقوط الرئيس المخلوع حسنى مبارك. وحدد التقرير بشكل خاص «ما حدث فى مايو الماضى بين مسلمين واقباط وسقط فيه خمسة عشر قتيلا»، باعتباره اعنف ما وقع فى مصر من حوادث ذات صبغة دينية. واضاف التقرير ان الحكومة المصرية تقوم عادة باعتقال مسلمين من الشيعة والأحمديين والقرآنيين والمتحولين من الاسلام إلى المسيحية، بالإضافة إلى آخرين من ذوى المعتقدات أو الممارسات الدينية التى تعد منحرفة عن المعتقدات الإسلامية السائدة والتى ينظر إلى انشطتهم على انها تهدد الوئام بين الطوائف المختلفة.

 

وقد شدد التقرير على ان السفيرة الأمريكية فى القاهرة أن باترسون وكبار المسئولين فى الإدارة الأمريكية واعضاء فى الكونجرس يواصلون التعبير عن مخاوف الولايات المتحدة حول التمييز الدينى فى مصر مع كبار المسئولين المصريين. وأكد أن الإدارة الأمريكية تواصل رعايتها لبرامج تهدف لتعزيز التسامح الدينى.

 

وكما يحدث عادة تولت وزيرة الخارجية الأمريكى منصب الأمين العام للامم المتحدة وقدمت التقرير إلى الصحافة العالمية معربة عن خشيتها من أن «تعرّض الثورات الشعبية فى العالم العربى الأقليات الدينية فى المنطقة إلى اخطار جديدة»، واضافت الوزيرة هيلارى كلينتون إلى ذلك قولها «هناك أناس قتلوا على يد جيرانهم بسبب عرقيتهم أو عقيدتهم. وفى أماكن أخرى رأينا حكومات تقف موقف المتفرج بينما العنف الطائفى الذى تشعله العداوات الدينية يمزق المجتمعات». وفى دور الأمين العام للأمم المتحدة دعت الوزيرة كلينتون حكومات العالم إلى «تحمل مسئولياتها فى الدفاع عن الحريات الدينية وخلق مناخ من التسامح».

 

ليس واضحا بأى حال بأى صفة تتحدث الولايات المتحدة وخاصة وزيرة خارجيتها عن هذه الأمور، بصرف النظر عن صحة او دقة المزاعم الواردة فى التقرير. كذلك ليس واضحا من قريب او من بعيد ما هى المصادر التى تستقى منها الخارجية الأمريكية معلوماتها الواردة فى هذا التقرير وما اذا كان هذا المصدر هو الصحف الوطنية الصادرة فى كل من دول العالم التى يغطيها التقرير، وهذا امر مستبعد ويحول التقرير إلى مجرد تجميع لقصاصات صحفية عن أوضاع واحداث معينة.

 

واغلب الظن ان وزارة الخارجية الأمريكية تستند فى مواد هذا التقرير على معلومات تستقيها من تقارير وكالات المخابرات الأمريكية، سواء كانت وكالة المخابرات المركزية أو وكالة الأمن القومى الأمريكى أو غيرهما.

 

وأيا كان المصدر فإن الولايات المتحدة لا تملك حقا خاصا يمنحها فرصة استعراض أوضاع حقوق الإنسان أو الحريات الدينية. إنها تستطيع فقط ان تتناول أحوال المواطنين الامريكيين الذين يقيمون ــ أيا كانت اسباب هذه الإقامة ــ فى أى من دول العالم. وهى تستطيع عندما ترصد سوء معاملة او اضطهاد او تمييز أن تنشره وتفصل وقائعه دفاعا عن مواطنيها. اما ان تعتبر ان المجال مفتوح امامها لانتقاد دول العالم الاعضاء فى الامم المتحدة فهذا نوع من التعدى على اختصاصات المنظمة الدولية.

 

وبطبيعة الحال فإنه لا يمكن التحدث عن الخلط بين ادوار ومسئوليات الامم المتحدة وادوار ومسئوليات الولايات المتحدة دون التطرق إلى الدور الذى يلعبه حق الاعتراض (الفيتو) الذى تمارسه الولايات المتحدة فى مجلس الامن. ان الحكومة الأمريكية تستخدم حق الفيتو بدرجة تفوق كل الدول الاخرى التى تملك هذا الحق مجتمعة (وهى روسيا وبريطانيا والصين وفرنسا) والغالبية العظمى من المرات التى استخدمت فيها امريكا حق الفيتو فى مجلس الامن كانت لحجب قرارات تتعلق باسرائيل، او قرارات تدينها او قرارات تلزمها بسياسات محددة بشأن الفلسطينيين والقضية الفلسطينية. وكان آخر «فيتو» امريكى ذلك الذى استخدم يوم 18 فبراير الماضى لإدانة اقامة مستوطنات إسرائيلية فى الأراضى الفلسطينية.

 

ويقف العالم كله فى حالة من الترقب ليشهد الفيتو الأمريكى يستخدم يوم 23 سبتمبر الحالى فى مجلس الامن لحرمان الفلسطينيين من نيل عضوية الامم المتحدة، وهو ما يعادل اعلان قيام دولة فلسطين المستقلة، بعد ثلاثة وستين عاما لا اقل من قرار قيام اسرائيل الذى واكبه قرار من الجمعية العامة للامم المتحدة باقامة دولة موازية للعرب الفلسطينيين (...)

 

والواقع ان الطريقة التى تمارس بها الولايات المتحدة سلطة الفيتو قد اضعفت الامم المتحدة كثيرا ووصل الامر إلى حد اصابة دورها بالنسبة للقضية الفلسطينية بالشلل.

ترى هل يبدو فى الافق اى مؤشر إلى احتمال توقف هذا الخلط بين الولايات المتحدة والامم المتحدة؟

 

لا تبدو فى الافق اى اجابة بنعم على هذا السؤال.

 

الاحرى ان الولايات المتحدة لن تتراجع عن هذا الدور غير الشرعى الا عندما يصل انحدارها من مكانة الدولة الاعظم ــ عسكريا واقتصاديا وسياسيا ــ إلى مستوى يسمح للعالم بأن يدخل التغييرات الكبرى الضرورية على هيكلية الامم المتحدة وميثاقها ومسئولياتها.

 

عندئذ يمكن ان نتوقع الغاء الفيتو بصورته الحالية. 

سمير كرم  كاتب سياسي مصري
التعليقات