ذاكرة الشريحة ممتلئة هل تريدين تسجيل الرقم على ذاكرة الموبايل؟ كانت هذه هى الرسالة التى ظهرت لى على شاشة الموبايل عندما أردت إضافة إسم جديد إلى قائمة الأقارب والأصدقاء. التصرف الطبيعى فى مثل هذه الحالة إما أن أمسح بعض الأسماء التى لم تعد تلزمنى حتى أفسح مكاناً فى ذاكرة الشريحة، أو أن أوافق على تسجيل الرقم الجديد على ذاكرة الجهاز. ولأمرٍ ما اخترت البديل الأول، ورحت أستعرض مئات الأسماء أفتش بينها عمن يمكن أن أستغنى عنه لأستقبل الوافد الجديد إلى شبكة علاقاتى ومعارفى.
•••
فى حرف الجيم برز لى اسم زميل العمر والدراسة الذى رحل عن عالمنا قبل أيام قليلة من أحداث سبتمبر 2001 ومثل لى رحيله فى حينه صدمة نفسية لا حد لها. كان فلان جزءاً من تاريخى وعندما ذهب أحسست كأن أحداً أمسك بقلم داكن ليسود هذا الجزء فينفصل ما قبله وهو قليل عما بعده وهو أيضاً قليل. عِشرة عمر تخلق للأخوة مصادر غير رابطة الدم والميلاد، تذكرته وهو يسلفنى كشكول محاضراته شديد التنظيم إلى حد الاستفزاز من دون أن أطلب منه، هو فقط شعر أنه ربما سجل محاضرة الأستاذ بشكل أوفى، والحق أن رأيه كان صواباً. تذكرت ابتسامته الرائقة والسيجارة التى لا تفارق إصبعيه، وعدت إلى تلك النفس القنوعة التى لا تنافس أحداً ولا تكيد لأحد، وهو هكذا راض بما قسمه الله له، حتى إذا ذهب بكاه الجميع . لم يعرفوا أنه إنسان بديع إلا حين اختفى . تأففت من مجرد شبح أن أمحو اسمه من على ذاكرة الشريحة بعد اثنتى عشرة عاماً كاملين صاحبنى فى محمولى رغم الغياب، أقرأته السلام وعبرت إلى إسم آخر.
•••
فى حرف السين طالعنى اسم تلك الشخصية العامة التى تعاملت معها فى مرحلة من مراحل عمرى فى إطار علاقات العمل خارج الجامعة. لم تجمعنى بصاحبها صداقة ولا حتى علاقة ود، لكن مجرد تعاون فى مشروعات مشتركة وندوات علمية، فصاحبنا شعلة نشاط لا تخبو، وقدرته على التجدد والإبداع ضخمة، ومع ذلك ظلت بينى وبينه مسافة لا هو فكر يقطعها ولا أنا كنت مستعدة لذلك. اقترب كثيراً من السلطة فشملته بنورها قبل الثورة ثم بنارها بعدها، وأصبح التصنيف الشائع له فى هذه الأيام أنه فِل من الفلول. توارى عن الأضواء ولم يعد يسمع له صوت إلا لماماً، لكن عندما امتدت يدى لتضغط على لفظ « امسح» تريثت. فى زمن السلطة كانت لى بصاحبنا علاقة، صحيح علاقة عمل لكنها علاقة، فهل أشترك مع جوقة المتلونين وأمحوه من قائمة معارفى؟... ابتسمت فى سخرية عندما تذكرت أننى لم أهاتفه ولو مرة واحدة منذ سنين طويلة، الأدق أن مكتبه الخاص كان هو الذى يرتب النشاط المشترك إذا كان له مجال . ومع ذلك سحبت يدى واتخذت قراراً بألا أمحوه من ماضىّ، إذا كان الآخرون انفضوا من حوله لا يصح أن أشاركهم فعلهم، أنا أصلاً لم أكن حوله. وانتقلت إلى إسم آخر.
•••
فى حرف النون التقيت مع صديقتى الدبلوماسية التى تخدم فى إحدى سفاراتنا بدولة أوروبية كبيرة . أسمح لنفسى بأن أصفها بصديقتى مع أن علاقتى المباشرة بها لم تتجاوز أسبوعاً حين التقيتها لأول مرة فى عام 2008 وكانت تعمل وقتها فى عاصمة دولة عربية مغاربية . خلال علاقتى القصيرة بها اكتشفت فيها جدعنة لا تتوفر لكثير من البشر، لفظ جدعنة مقصود لذاته وفى الحقيقة لا أجد سواه لتوصيف تطوعها المستمر للخدمة بحب لا بتأفف ولا حتى بمنطق سد الذرائع. هى تخدم لأنها تحب أن تخدم وليس لأنه مفروض عليها أن تخدم . تضرب لها موعداً كى تأخذك إلى هذا المكان أو ذاك فترحب فى بشاشة، وحين تلتقيها تكتشف أنها عهدت باصطحاب ابنتها من المدرسة إلى جارة لها فى موعد لقائك بها، لم تشأ أن تخبرك أنها مرتبطة أو أن وقتها لا يسمح مع أن هذا أمر طبيعى جداً . من قال إن الهدايا تقاس بثمنها لا يعرف جمال المعنى الذى تنطوى عليه كلمة « هدية» فى حد ذاتها، فأنا أزعم أن أطيب مذاق للخبز الفرنسى هو ذلك الذى أهدتنى إياه السيدة نون، وأننى فرحت بهذه الهدية جداً لأننى لم أكن أتوقعها، ولأنها مع قطعة الجبن البارميزان التى حملتها صاحبتى نبهتنى إلى أنه فيما يبدو كانت تظهر علّى ملامح الجوع فى نهاية يوم عمل طويل . سافرت الدبلوماسية الشابة إلى مقر عملها الجديد فى الدولة الأوروبية، ولم تعد هناك قيمة لموبايلها ذى الأرقام المغاربية الذى أحتفظ به. لم تعد له قيمة؟ بل هو يؤدى لى خدمة عظيمة حين أحن إلى أيامها وكانت أيام أزمة فأطلب الرقم وأسمع الرد المسجل الذى يقول إنه لم يعد موجوداً بالخدمة. لم أمسح الرقم القديم واحتفظت به مع الرقم الجديد المسجل تحت اسم « نون2». هل يمكن أن يحن إنسان إلى أزمة مضت؟ للعجب اكتشفت أنه حتى للأزمات حنينها... نتذكر حجم معاناتنا فيها ونبتهج لأننا لم نعد نعيش فيها وأننا تجاوزناها.
•••
هه؟ ألن تزيلى أى إسم من قائمة الأسماء بذاكرة الشريحة؟ حدثتنى نفسى متسائلة تريثت للحظة وأجبتنى بعدها ولم أمح أجزاء من تاريخى طالما فى ذاكرة الجهاز متسعاً كافياً للحاضر والمستقبل معاً؟. أضفت الإسم الجديد وانتظم العمل.