أتاها صوت السائق عبر الإنتركوم ينبه حضرتها أن الوقت قد أزف وأن المتعارف عليه الوصول إلى المطار قبل السفر بساعتين، انقضى منهما بالفعل ربع الساعة، ومع ذلك لم تنزل.
مضت تتمم على تفاصيل ما قبل السفر، تكتب قائمة الصحف اليومية للبواب كى لا يخطئ فى شرائها، تكرر على مساعدتها الوصايا العشر كى ترفع ذراع الغاز وتوصد باب الشقة قبل المغادرة ولا تفتح قط لمجهول فلم يعد الشارع الهادئ هادئا، تلقى نظرة ارتياح على مخزون البيت من الكولا لايت والصودا وعصير البرتقال. كأنها تسافر لأول مرة، وكأنها تترك خلفها أطفالا وما هم بأطفال، تشكو من تدليلهم وتحب أن تدللهم، تحب جدا أمومتها وتستمتع بها.
عندما رَن هاتفها المحمول وهى تهم بدخول الأسانسير فكرت ألا ترد، فهى مثل كل النساء العاملات يغوص محمولها فى أعماق حقيبتها الضخمة، انتهى عصر الحقائب الصغيرة، لكنها لأمر ما بحثت عنه وردت. أتاها صوت منسق الندوة التى تستعد للسفر لحضورها قائلا: أهلا دكتورة. يـاه، منتهى الانضباط يتأكدون من سفرها ويعلمونها بترتيبات الاستقبال فى المطار. هكذا يكون الإعداد للندوات وإلا فلا.
لعنت فى سرها أولاد الحرام الذين حذروها طويلا من المشاركة فى نشاط مؤسسة يرأسها أمير، وقررت أن تخوض التجربة وها هى تنفذ قرارها. ولأن هذا كان ظنها، لابد أن ثوانى انقضت قبل أن تترجم عبارات محدثها إلى كلام وكلامه إلى رسالة يستقبلها عقلها ولكن لا تستميله.
قال الرجل متلعثما: ألغى سمو الأمير سفره للمشاركة فى الندوة نتيجة الأحداث الطارئة التى وقعت هنا، ومن ثم تقرر إرجاء الندوة بحيث تعقد لاحقا فى إحدى «مدن الخليج الآمنة». وأضاف: نعتذر بسبب هذا التطور المفاجئ لكن الأمر برمته خارج عن إرادتنا. كعادتها عندما يفاجئها موقف أو تصرف لا تتوقعه فإنها لا تحسن الرد، لا ترد أصلا، وهذه المرة أيضا لم تخيب الظن فى نفسها فأغلقت الخط كالمسحورة ولم تزد حرفا على كلمة طيب. تركت باب الأسانسير المعلق ودخلت شقتها مجددا، صرفت السائق فى خجل، ثم ارتمت على أول مقعد بجانبها تفكر فيما جرى.
كان أول شعور غشاها بعد أن أفاقت من المفاجأة هو الشعور بالإهانة، فأى استخفاف هذا بارتباطات الناس ومواعيدهم وظروفهم إلى الحد الذى ُيلغى معه التجهيز لندوة قبل السفر بساعة؟ وأى تعال هذا على عباد الله وكأنهم قطع شطرنج تحرك من مدينة لأخرى هذا بافتراض أن الخليج آمن فعلا؟ وأى احتجاج «بالتطورات الأخيرة» فى مدينة لا تنقضى عواصفها وأنواؤها إلا لتبدأ فيما يشبه العادة اليومية والطقوس الروتينية؟.. لا تدرى لماذا تذكرت شخصية الأمير عند ميكافيللى وحاولت أن تمد خط المقارنة بينها وبين شخصيات أمراء الثقافة والفكر فى هذه الأيام، فوجدت أن أمير ميكيافللى كانت غايته السلطة ووسيلته الانتهازية، فيما أمراء الفكر غايتهم تحريف الفكر ووسيلتهم فائض المال.
أكد لها هذا الذى جرى ما استخلصته قبل وقت ليس بالقصير من أنه حيثما تزاوج الفكر مع المال فالأرجح أن يكون زواجهما باطلا تماما، كما هو زواج المال مع السياسة. وهذا طبعا ليس لأن المفكرين يجب أن يكونوا فقراء بالضرورة، أو لأن أفضل الساسة أكثرهم احتياجا للمال، لكن لأن الفكر والسياسة ساحتان مثاليتان لغسل الأموال وتبييضها، وهما أيضا ساحتان سواء لكسب الوجاهة الاجتماعية أو النفوذ السياسى أو الاثنين معا. قليلون جدا هم الذين يملكون مشروعا فكريا للتغيير أو حتى الإصلاح ويوظفون مالهم لخدمته، وقليلون أيضا هم من يدخلون السياسة ويستثمرون فى بناء المؤسسات. لذلك أطلق المال العربى المنتديات الثقافية والصحف والفضائيات والحملات الانتخابية والمنافسات الحزبية من دون رؤية إستراتيجية لا على مستوى الفكر ولا على مستوى السياسة.
وبخَت نفسها لأنها لم تلحظ فى برنامج الندوة عبارة موحية تقول: الساعة الواحدة والنصف وصول سمو الأمير أى أن اختصار المؤسسة فى شخص ممولها جعل وصوله إلى مقر الندوة، مجرد وصوله إلى مقر الندوة، بندا من بنودها. وكان يكفيها هذا فى حينه للاعتذار لكنها للأسف لم تنتبه. ومع ذلك ملحوقة قالتها لنفسها لتهدئ ثورتها.
خلعت الجاكت الأسود لزوم الاستقبال الرسمى الذى كان معدا لها، وجلست إلى اللاب توب تكتب رسالة إلى منسق الندوة الملغاة بدأتها بقول «ليس فكرا هذا الذى لا يلتزم» وأنهتها بقول «أرجو قبول اعتذارى عن عدم المشاركة لا فى ندوة الخليج ولا فى أى نشاط لكم فى المستقبل». وعندما ضغطت على كلمة send أحست براحة، حتى إذا جاءتها ابنتها تقول إن أونكل فلان سأل عنها وأجابته خطأ أن ماما ذهبت إلى المطار، قالت لها ممازحة وهى تبتسم لأول مرة منذ ساعة كاملة: لا عليك يا حبيبتى سأتولى الأمر وأخبره بأننى بنفس السرعة التى سافرت بها عُدت!