وسط كل النقاش الدائر الآن فى وطننا حول الثورة، وقد أصبح واضحا أن بعضنا ــ لأسباب مفهومة أو غير مفهومة ــ يجد سهولة فى تفسير السلبيات التى تعانى منها مصر منذ انطلاق الثورة بإرجاعها مباشرة إلى الثورة وتأثيراتها، من الضرورى ان نتنبه إلى حقيقة تاريخية بالغة الأهمية.
هذه الحقيقة التاريخية المهمة هى ان مصر القديمة ــ الفرعونية ــ كانت سباقة إلى الثورة كما كانت سباقة إلى أمور كثيرة صنعت الحضارة المصرية وبعدها الحضارة الإنسانية ككل.
هذه الحقيقة التاريخية هى أن مصر صنعت اول ثورة فى التاريخ البشرى. تلك كانت ثورة الشعب المصرى فى القرن الثالث قبل الميلاد من أجل الدفاع عن ديانته ــ ديانة الإله آمون ــ التى تمسك بها قبل ظهور الديانة التوحيدية الأولى فى تاريخ البشرية. وهى الديانة التى دعا اليها إخناتون ووجد رمز الإله الواحد الذى ليس كمثله شىء فى الشمس كمصدر للحياة لا يوازيه أى مصدر آخر.
لم يطق المصريون الفكرة التوحيدية الجديدة على الرغم من عظمتها. إنما خرجوا ثائرين على الفرعون اخناتون ودعوته الدينية الجديدة دفاعا عن ديانتهم «الوطنية» التى عاشوها ومارسوها لنحو ألفى عام. وتمكنوا من اسقاطه ومعه ديانته الجديدة.
وتدعونا هذه الحقيقة التاريخية المهمة لأن نتذكر أن ثورة مصر الأولى على حاكمها كانت ثورة دينية لأن الدين كان يتصدر حياة المصريين ويوجهها فى اتجاهاتها الاخلاقية والعملية واليومية أكثر من أى عقيدة سياسية أو اجتماعية مارست عليهم أى تأثير. وربما لهذا يوجد فى الوعى الجمعى المصرى ــ أو ربما اللا وعى الجمعى المصرى ــ منذ ذلك الزمان القديم ارتباط بين الدين والثورة. وربما لهذا يبقى هذا الوعى بوجود صلة عميقة قوية بين الدين والثورة.
ولا يزال هذا الشعور قائما. ولهذا فإن الالتباس او الخلط بين الثورة الدينية والثورة الاجتماعية لا يزال قائما بل هو قائم هذه المرة بفعل التحاق بعض القوى المشتغلة بالدين بالثورة التى لا نزال نعيش احداثها منذ يوم 25 يناير 2011. فاصبحت لدينا قوى تريد أن تعتمد الدين اساسا للثورة وموجها لأهدافها ومبادئها، ويريد بالتالى أن يحذف من مسار هذه الثورة كل ما لا علاقة مباشرة له بالدين.
ولعل من الضرورى هنا أن نتذكر أن ثورة المصريين الوطنية ضد الغزو والاحتلال الفرنسى فى القرن الثامن عشر اكتسبت الطابع الدينى لأن الغازى المحتل كان يدين بالمسيحية، بينما اكتسبت ثورة المصريين على الاحتلال والحكم العثمانى فى القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين طابعا وطنيا سياسيا بحتا، لأن المحتل الحاكم كان ينتمى إلى الدين الإسلامى، أى أنه كانت بينه وبين المحتل العثمانى وحدة دينية.
•••
وقد أظهرت أحداث ثورة 25 يناير اهتماما عارما من بعض الأطراف لإكساب هذه الثورة طابعا دينيا أكثر من أى طابع آخر. وهو أمر لم يكن ماثلا فى الأذهان طوال الأيام الأولى من هذه الثورة قبل انضمام جماعة الإخوان المسلمين وكذلك التنظيمات السلفية إلى صفوف الثورة.
ولكن الطابع الدينى ــ الذى يمكن أن نعتبر أن أول ظهوره كان فى التوجهات التى شاركت فى دفع الجماهير نحو نتيجة معينة فى استفتاء التاسع عشر من مارس 2011 ــ بلغ ذروة غير مسبوقة فى تصديه الحاد بكل المقاييس لدعوة العصيان المدنى التى ظهرت كرد من القوى الثورية على الأزمات الأمنية والسياسية والاجتماعية التى رافقت الثورة وعرقلتها أو حاولت أن تخطفها. لقد استغلت القوى الدينية حقيقة أن اصطلاح العصيان المدنى جديد على الساحة المصرية واستغلت أيضا الشحنة الانفعالية التى تصاحب كلمة العصيان بمفهومها الدينى لكى تجبر الجماهير على رفض العصيان المدنى كفكرة دون أن تعترض عليها كاداة ثورية فى مواجهة القوى التى تعرقل الثورة.
قد يقول بعضنا أن دعوة العصيان المدنى قد فشلت عمليا ولم يعد هناك فائدة من البحث فيها مجددا أو تناولها بقصد الدفاع عنها. وقد تكون هذه هى المرة الأولى التى يثار فيها امر العصيان المدنى خاصة فى الاطار الزمنى الذى تمثله السنوات الستون الماضية من تاريخ مصر، لكن الامر المؤكد انها لن تكون المرة الأخيرة. بل يمكن القطع بأنها ستتكرر طالما واجهت الثورة المصرية الحالية حركات مضادة من داخل البرلمان او من خارجه، وطالما ان هناك تيارا واسعا يريد أن يعالج الأمر ــ كما كل الأمور الأخرى ــ من زاوية استغلال الجانب الدينى.
من الواضح ان هذه المحاولة لتأسيس رفض ومعارضة دينية لفكرة العصيان المدنى ترتكز على الإصرار على الاشتقاق اللفظى البحت لكلمة عصيان ومحاولة نسبتها إلى المعصية وجمعها المعاصى. ولا شك ان لهذا الاشتقاق اللفظى معناه الدينى الصرف الذى يمكن بالتالى أن يصور العصيان المدنى بانه ارتكاب لمعصية. ولكن تعبير العصيان المدنى لا يتحمل بأى شكل مثل هذا المعنى ولا يقترب بأى حال من الأثر النفسى الدينى الذى يرتبط بكلمة المعصية. فهذا اصطلاح سياسى خالص وله تاريخه الذى لا تربطه بالدين أو الحياة الدينية اية رابطة. وبالتالى فهو ليس مخالفا للدين من اى وجه. ولو ان الذين دعوا إلى العصيان المدنى فكروا فى تعبير آخر لا يقترب من كلمة العصيان فأسموه مقاومة مدنية لما واجهوا هذا الرفض الدينى من جماعات مثل الاخوان وحزبهم ومن السلفيين وتنظيماتهم وحزبهم.
وأكثر ما يدعو للدهشة هنا أن الذين واجهوا دعوة العصيان المدنى بهذا الرفض هم انفسهم الذين بذلوا أقصى جهودهم ولا يزالون لابعاد صفة الدينى عن تنظيماتهم السياسية نظرا لان تأسيس الاحزاب والتنظيمات السياسية على اساس دينى هو أمر مرفوض من حيث المبدأ ودستوريا فى الحياة السياسية المصرية وبصفة خاصة بعد الثورة. هكذا يكون المتعلقون بحبال الدين تنظيميا وسياسيا هم الذين أباحوا لأنفسهم نفى ارتباطهم بها بينما لم يسمحوا للثوار الذين دعوا إلى العصيان المدنى بنفى أى ارتباط دينى له بما فيه الارتباط اللغوى اللفظى.
•••
لقد رمى الذين أرادوا ان يكون رفض العصيان المدنى مبنيا على أساس دينى إلى الإيهام بوجود تناقض بين العصيان المدنى والثورة. فقد قدروا بعد انطلاق الثورة حجم وقيمة المكاسب التى يمكن ان يجنوها من وراء الانضمام إلى صفوفها. واثبتت التطورات صحة تقديرهم. وبالطريقة التى وقفوا بها ضد العصيان المدنى كان يمكن لهم ــ لو ارادوا ان يكونوا منطقيين مع أنفسهم ــ ان يعتبروا الثورة منافية للدين. ولقد كانت لهم فى الماضى مواقف تنهى عن الثورة وتنهى عن اى موقف ضد الحاكم حتى لو كان ظالما. وها هم يثبتون انهم يقفون مع الثورة بشروط وبحدود ليست مستمدة من مبادىء الثورة نفسها، انما يدعون انها مستمدة من مبادئ الدين وتعاليمه.
ما كان للعصيان المدنى ان يضر بالثورة او يعرقلها او يحبطها. أنه أداة قوية وفاعلة من ادواتها. استخدم فى الحركة الاستقلالية التى التى واكبت الثورة الأمريكية وانتصرت، ثم تلك التى تزعمها المهاتما غاندى وانتصرت، وفى حركة تحرير السود من التمييز العنصرى فى جنوب أفريقيا وانتصرت، وبعد ذلك فى امريكا وانتصرت. وعندما انقسمت الكنائس المتباينة المذاهب فى أمريكا بشأن استمرار التمييز العنصرى أو وضع نهاية له انقسمت حول العصيان المدنى. الذين ايدوا التمييز العنصرى رفضوه والذين دعوا إلى وضع نهاية له ايدوا العصيان المدنى.
ولم يكن تعبير العصيان المدنى كما ظهر باللغة العربية نقلا عن جذوره الامريكية (باللغة الانجليزية) يواجه تصورا بأن يضفى عليه طابع التناقض مع الدين. ولو ان هذا التعبير ترجم بعبارة مثل رفض الطاعة لكان له انطباع آخر.
.. ولوجد اصحاب التيار الدينى طريقة اخرى لمنعه من ان يكون داعما للثورة. فهذا هو هدفهم وليست حماية الدين هى الهدف.