أَخَذَت تفتح بريدها اليومى كعادتها، وَجَدَت فيه بطاقتين أنيقتين تدعوانها لحضور ورشة كذا وندوة كذا حول المشاركة السياسية للمرأة المصرية، قالت فى سِرِها: آه ابتدينا. ما أكثر ما اعتادت على تلقى دعوات من هذا النوع، لأ ولسه فكلما ضاقت المسافة الزمنية التى تفصلنا عن الانتخابات البرلمانية فى عام 2010 زادت الهمة، وكلما اقترب موعد غلق باب الترشيح أمطرتها الدعوات. بالطبع هى تهتم بهذا الموضوع فمن هو الشخص المستنير بحق، رجلا كان أم امرأة،الذى تنتابه الحساسية لانعقاد التاء المربوطة بعد آخر حروف كلمة وزير أو قاض أو مدير أو سفير.. إلخ، فى إشارة إلى أن المذكور أنثى. لن يمانع فعلا الشخص المستنير، ولعلها تفضل استخدام لفظ المنصف عن المستنير لأن المستنير يعنى المستغرب والمستغرب يعنى العلمانى والعلمانى يعنى والعياذ بالله الملحد، أما المنصف فقد يكون علمانيا أو غير علمانى وقد يكون مستغربا أو غير مستغرب المهم فيه أنه عادل. مهم جدا أن نفهم السياق الذى نتكلم فيه لنختار ألفاظا تشرح المعانى التى فى رءوسنا وليس فى رءوس الآخرين.
هى إذن مثل كل المنصفين تحرص على أن تشارك المرأة وأن يشارك الجميع هذا بفرض أن هناك أصلا مساحة لمشاركة أى أحد، لكنها اليوم تريد أن تتمرد. لن تتمرد على توقيت توجيه الدعوة رغم أنه يغيظها فعلا لأننا نبدو وكأننا نفاجأ بالانتخابات فنبدأ ننشط، لكن لا بأس فقد اعتدنا على تأجيل كل شىء حتى ربع الساعة الأخير، نفاجأ بالامتحانات، فنذاكر ونفاجأ برمضان فتدور الكاميرات ونفاجأ بالمطر فنغرق. لا ولن تتمرد حتى على بعض تعقيدات الخطاب النسائى رغم أن فيه ما يدعو للتمرد، وخذ مثلا كلمة الجندر التى أرهقتنا عصبيا حتى عَرفناها، إنها توزيع الأدوار العامة بين الرجل والمرأة بناء على اختلافاتهما الجسمانية. ثم بعد كل هذا الجهد قل كلمة «جندر» لأى أحد ناهيك عن أمى ولن تجده يفهم شيئا. هل نسينا مشاهد المتسابقين المرتبكين فى من سيربح المليون؟
لكن ما تريد أن تتمرد عليه فعلا هو أن هدف المشاركة السياسية للمرأة، رغم أنه يقينا هدف نبيل مشروع، لكنه غير مقبول من الشارع المصرى ،الشارع بمعنى البيت وليس فقط الطريق. فى أى حوار عن ظاهرة البطالة ستجد قطاعا لا بأس به من المواطنين يرد جانبا من الظاهرة إن لم يكن كلها للمرأة، فهى التى تأخذ مكان الرجل، وهى التى تنافسه فى لقمة عيشه. والمرأة هى سبب التضخم لا تكف عن الشراء فترتفع الأسعار وتتآكل الدخول. والمرأة هى التى تقود السيارة فلا تحسن القيادة، وتزحم الطريق، وتستقل بعربة خاصة فى المترو، وفى كل الحوادث تكون هى السبب.
لن تنس ما عاشت ذلك اليوم الذى رأت بأم عينيها حادثة لا أوضح من أن المخطئ فيها رجل ومع ذلك أدينت المرأة. كان بطل القصة يعود بسيارته القهقرى من مطلع كوبرى السادس من أكتوبر عند العباسية، عندما فاجأت عودته امرأة تقود سيارتها صعودا فارتطما واحتشد الخلق. تراوحت ردود أفعال الناس ما بين تخطئة المرأة لأنها لم تبادر بتفادى السيارة الراجعة للخلف دُر، وبين التهوين من قيمة خسائرها المادية التى سيدفعها عنها زوجها. كانت سيارة الرجل فورد تاونس إنتاج الستينيات وكانت سيارة المرأة أوبل فكترا حديثة، ومع ذلك فإن تفسير تحامل الناس على هذه المرأة بكونها مرتاحة ماديا ليس كافيا. فما كان هذا التحامل سيتغير لو تبادل الرجل والمرأة موقعيهما فقادت هى الفورد وقاد هو الأوبل وإلا ما كان السخط الشديد على مقعد تجلس فيه المرأة بكرامتها فى عربة مترو، علما بأن كل مستخدمى المترو ليسوا بالضرورة من علية القوم.
هى تفهم أن المناخ العام ضاغط بشدة، وأن الضغط حين يشتد يحتاج إلى كوة لتسريب البخار، وهكذا تتجمع فى سماء مصر سحب الفتنة الطائفية، والصراعات الطبقية، والتناقضات الاجتماعية، والتطرف والتطرف المضاد، ونسب الانفصال المتزايد بين الأزواج، والاحتقان فى علاقة الرجل بالمرأة. وفى ظل هذا المناخ غير الصحى يكون الحديث عن المشاركة السياسية للمرأة بمثابة رفاهية. فقبل أن نسأل لماذا لا ينتخب الرجل المرأة إن كان ينتخب، لابد أن نسأل لماذا لم يعد الرجل يفسح للمرأة الطريق، أو يتخلى لها عن مقعده فى الحافلات المختلطة، أو يهب لنجدتها عندما تتعطل سيارتها، أو يشهد شهادة حق فى حادثة يعلم علمه بنفسه أن المخطئ فيها رجل، أو يتنافس معها بدون تجريح فى مسابقات الخريجين الجدد. تغير مناخنا فتغيرنا.
نحتاج أن نبنى جسورا بين منظماتنا المشغولة بمشاركة المرأة وبين منظمات تدعو إلى احترام حقوق الإنسان وتعمل فى مجال التنمية وتنشط فى القطاع البيئى والصحى والرعاية الاجتماعية، نحتاج أن نفتح للأبخرة داخل صدورنا أكثر من كوة بعيدا عن اعتبارات الدين والجنس والطبقة، نحتاج أن نشعِر المجتمع أننا جزء منه وأننا لا نستغنى بقضايانا كنساء عن قضاياه العامة، فبغير ذلك ستظل بطاقات الدعوة تُرسل سنة وراء أخرى ويظل السؤال هو السؤال نفسه: لماذا لا نشرك المرأة ولماذا لا تشاركنا؟