تملك الثورة المصرية إرادة سياسية من القوة بحيث يمكنها ــ بل لقد أمكنها ــ أن تواجه تحديا من الدول الغربية «العظمى» وفى مقدمتها الولايات المتحدة.
تملك الثورة المصرية إرادة سياسية من القوة بحيث تمنع تحول الوضع فى مصر فى الظروف الدقيقة الراهنة إلى حرب أهلية.
ذلك أن الثورة المصرية تضم القوى الشعبية التى أطلقتها وتضم الجيش الذى ساندها وأعلن بوضوح انه ينتمى إلى هذه الجماهير الشعبية. ولأن الثورة المصرية عرفت أن المؤامرة الكبرى الغربية على المنطقة العربية تشمل مصر وأن التحالف الغربى يحضر لتنفيذ مؤامرة فى مصر هى امتداد للمؤامرة الكبرى التى استولت على العراق وليبيا وسوريا واليمن. وتستهدف هذه المؤامرة تقويض مؤسسات الدولة فى مصر. ولأن مصر هى الأقوى وهى الهدف الأكبر فإنها تأتى فى أواخر خطوات تنفيذ هذه الخطة. لقد اصيبت تقديرات الغرب بخيبة كبيرة إزاء صمود مصر فى وجه هذه الخطة واستمرار مؤسسات الدولة فى أداء دورها ويتمثل جانب اساسى من هذا الدور فى اسقاط المؤامرة على مصر.
●●●
إن أهم ملامح المؤامرة الغربية على مصر ــ والتى تميزها عن المؤامرات الأخرى لتقسيم البلدان العربية إلى كيانات صغيرة ــ هى أنها تصطدم مع الدولة ومع الشعب معا. وعندما وقع اختيار الغرب على تنظيم الإخوان المسلمين لتنفيذ خطته فإنه استند إلى هذا التنظيم لأنه كان قد نجح فى الاستيلاء على السلطة، منتهزا فرصة الثورة وحسن نية الشعب المصرى بالإخوان المسلمين. وعندما كشفت تجربة للإخوان المسلمين فى السلطة أنهم لا يحترمون مصر ولا يهتمون بأهدافها الاستراتيجية والاقتصادية والثقافية إنما يقصدون دون تردد إلى فرض هيمنة إخوانية ذات أهداف غير وطنية ولا قومية، عمد التحالف القوى بين الشعب المصرى وجيشه إلى اسقاط حكم الإخوان وكشف دورهم وتحالفاتهم الخارجية. الأمر الذى زاد من كشف حقيقة الاهداف غير المصرية للإخوان.
فى الوقت نفسه فإن سقوط الإخوان المسلمين من الحكم اصاب التحالف الغربى بصدمة كبرى جعلته يفقد قدرته على رؤية صائبة لحقائق الوضع فى مصر. وتمسك هذا التحالف بدعمه الأعمى لتنظيم الإخوان المسلمين. لهذا يبدو غريبا للغاية وقوف القوى الغربية وعلى رأسها الولايات المتحدة موقف التأييد العنيد وغير المبرر للإخوان المسلمين. وانكشف للمرة الأولى فى تاريخ العلاقات الإخوانية الغربية إن الغرب يرى فى الإخوان حليف لا غنى عنه فى الظروف الراهنة لتحطيم إرادة مصر السياسية بدءا من تحطيم التحالف القوى بين قوى الشعب وقوى الجيش باعتبار هذا التحالف أساس التماسك الوطنى والقومى ومصدر قوة مصر فى مواجهة أى تحد.
●●●
برزت التساؤلات عن سبب تأييد الغرب بزعامة أمريكا لتنظيم الإخوان المسلمين إلى حد يتجاوز كل التوقعات بل يتجاوز منطق المصالح العامة لدول الغرب نفسها. وهنا ينبغى التسليم بأن مؤسسات السلطة فى دول الغرب نجحت بدرجة كبيرة فى تصوير الوضع الراهن فى مصر بأنه يتمثل فى جيش قوى من ناحية وفى تنظيم سياسى يمثل الجماهير المصرية من ناحية أخرى. وهكذا أصبح تنظيم الإخوان المسلمين يظهر لجموع الشعوب الغربية فى أمريكا وأوروبا وكأنه طليعة للجماهير المصرية وأن هذه الجماهير تتوقع موقفا غربيا مؤيدا لهذه الطليعة. وإذا ما اعتبرنا أن الإعلام الغربى يعكس أكثر ما يعكس اتجاهات الرأى العام فى دول الغرب فعلينا أن نسلم أيضا بأن هذا الإعلام تواطأ مع السلطات الحاكمة فى تصوير الإخوان المسلمين بأنهم القادة الحقيقيون لشعب مصر.
لقد أصبح الإعلام الغربى ــ بكل اتجاهاته ــ ضحية لخدعة غربية كبرى تصور الإخوان المسلمين على أنهم ضحية لحرب يشنها الجيش المصرى عليهم تمسكا من هذا الجيش بالسلطة. والنتيجة ــ حتى الان ــ هى أن جماهير المواطنين فى بلدان الغرب تبدو فى موقع المؤيد للاخوان المسلمين فى مواجهة قوى السلطة فى مصر. إن الاعلام الغربى يصور الوضع برمته على أنه حرب أهلية بين جماهير تقودها جماعة الإخوان من ناحية وقوى الجيش المصرى من ناحية أخرى. ونستطيع أن نراهن على أن هذه الخدعة لن تستمر طويلا. إذ إن مظاهرات الجماهير المصرية بعشرات الملايين قادرة على أن تمحو هذه الصورة المقلوبة وتسقط الخدعة التى تريد أن تؤكدها قوى الحكومات الغربية.
●●●
لقد عشنا لنرى على مدى ساعات المشهد السورى يحاول أن يتكرر فى مصر. ولكنه يفشل من اليوم الأول. وأصبحنا نرى بدلا منه طوابير المعتصمين تحت خطط الاخوان المسلمين تهجر الاعتصامات وتسير آمنة نحو حياتها الطبيعية فى حراسة الجيش المصرى والشرطة المصرية. لقد اذاقت مصر الإخوان المسلمين ومسانديهم الغربيين الفشل واضطرتهم إلى السير فى طريق التراجع. لا حرب أهلية فى مصر من أجل الإخوان ولا من أجل غيرهم، لا حرب شوارع تتفجر فى المدن المصرية تهتف باسم الإخوان المسلمين. إنما مجرد التساؤل: كيف كان يمكن أن يكون الوضع لو استطاع الإخوان المسلمون فرض إرادتهم وبالتالى إرادة الغرب؟
لقد تجنبت مصر بجهود ثورييها كارثة أخطر مؤامرة غربية عليها وعلى تاريخها. والثورة مستمرة.
كاتب سياسى مصرى