زيارة مفاجئة - نيفين مسعد - بوابة الشروق
الخميس 3 أبريل 2025 3:34 ص القاهرة

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تتوقع نجاح اتفاق الهدنة في غزة؟

زيارة مفاجئة

نشر فى : الثلاثاء 24 فبراير 2009 - 3:30 م | آخر تحديث : الثلاثاء 24 فبراير 2009 - 3:30 م

 يقولون يظل الانسان شاباً طالما فرح للأشياء الصغيرة ،وقد ردت لها الزيارة التى قام بها وفد من طالبات السنة الرابعة إلى مكتبها شبابها فى لحظة ،لكن هل كانت الزيارة شيئاً صغيراً؟

كانت غائصة حتى أذنيها فى الورق عندما طُرق باب مكتبها وأطلت عليها من خلفه خمسة وجوه مألوفة لديها تماماً ،لم تستأذن الطالبات فى الزيارة فهن فى عمر لم يٌفسد البروتوكول براءته .أخذتهن بين ذراعيها واحدة واحدة ،ثلاث منهن محجبات وواحدة منتقبة والخامسة ذات شعر أسود قصير ......همهمت بصوت خفيض : تمثيل جيد لخريطة المجتمع المصرى فى ألفيته الجديدة .خرجت إليهن من وراء مكتبها وثرثرن .

افتقدناكِ يا دكتورة قالتها واحدة وأخرى وثالثة ،وانا أيضاً ردت ،وتلك كانت بداية الحديث . منذ انتهت محاضراتها فى الفصل الأول لم تلتق أياً منهن ،ولولا هذه الزيارة المفاجئة لوقر فى ضميرها أنها لن تلتقى بأحد منهن أبداً.

شعور يداخلها من سنين ليست بعيدة ،أن الصلة بينها وبين طلابها تفتر مع أن أكثر ما ظلت تعتز به هى أنها منهم وهم منها .تذكر كيف كانت تدهشهم بساطتها عندما يضبطونها تشترى الشيبسى من كانتين الكلية فيكتشفون أن الأستاذة تأكل ،أو عندما توظف قدرتها على التقمص فى التهكم بشكل كاريكاتورى على رئيس أو مسئول كبير ،أو عندما تبدى طالبة إعجاباً بجراب نظارتها فتجرد النظارة من الجراب و تمد لها يدها به ،أوعندما تنضم إلى مجموعة أوقفوا الحرب على العراق التى كونوها على الفيس بوك .

إنها تحبهم ،تحبهم فعلاً ،ولولا هذا الحب ما مارست مهنة التدريس ،فلاشئ فيها بات يجذب ،لا قيمة العلم و لامكانة المعلم ولا حتى أجره .

لكنها من سنوات قليلة بدأت تحس أن شيئاً ما اختلف ،المؤكد أنها هى هى فهل هم هم ؟ ...ثلاثون عاماً و هى تمارس مهنة التدريس أذن فيها لصلاة الظهر والعصر والمغرب وأحياناً العشاء مئات المرات فلم يقطع طالب محاضرتها بطلب الصلاة إلا هذه الأيام فقد كانوا يصلون قبلها أو بعدها ، ولا سألها سائل متى تقوم دولة الخلافة الإسلامية إلا فى هذه الدفعة ،ولا انتفت كل الانتماءات السياسية عدا الانتماء للحزب الحاكم والاخوان المسلمين وجماعة السلفيين إلا الآن ، ولا لمست التوتر الدينى المكتوم لكن العميق بين المسلم والقبطى إلا فى تلك الأجواء ، ولا قرأت أيضاً بعد كل ذلك من يدافع بحماس عن " البطريرك حسن نصر الله " أى والله " البطريرك حسن نصر الله " إلا فى أوراق طلاب الألفية الثالثة .

هو إذن شكل بلامضمون ،وانتماء بلا اقتناع ،وطنطنة بلا تعمق .ارتباك سياسى وذهنى زاده الشَق الاجتماعى سوءًا، فلن تنسَ قط ما عاشت تهرب طالبة قسم الenglish من التعاون مع زميلتها فى بحث مشترك لأنها ببساطة من القسم العربى .يا نهار أسود ،قالتها بحرقة شديدة، فليس المهم أن تنهر الطالبة أو تزجرها ،المهم أن الفتاة تشعر بما تقول بل وتمارسه ،فلو هى زاولت سلطتها وجمعت بين الطالبتين فى بحث مشترك فمن يجمع الشابتين فى مجرى الحياة ؟

فى عام 2007 بالتحديد كادت تيأس ،فما جدوى أن تخاطب العقل و تحث على التغيير و تتكلم عن عبد الناصر والشيخ إمام وناجى العلى و دلال المغربى،والاطار كله ،كله بالمعنى الحرفى يجعل المساطيل واللصوص والمطبعين وفتيات الإعلان والشيوخ النجوم فى بؤرة الضوء ؟ إحساس قاتل لكنه صادق .

وعندما دخلت عليها الزهرات الخمس غرفتها غمرتها بهجة غير عادية ،كانت كمن يريد أن يتعلق بقشة حتى يقاوم ويسبح ويستمر ،و بدون قصد منهن ألقت لها سلوى ومها وسارة وأمانى ونهلة بما تتعلق به فالتقطته .قالت المنتقبة :غيرتِ فىَ الشئ الكثير يا دكتورة ردت : ارفعى غطاء وجهك يا سلوى فالتدريس لغة العيون و قد غيرتك دون أن أراكى فمن حقى أن أرى وجه من غيرت ،فرفعت ثم أسدلت .

وقالت لها أمانى الشقية مداعبة خلقتِ فينا اهتماماً بلبنان فابتكرنا حلاً لأزمته على طريقتتنا ،تتزوج أربع منا أربعة من رموز أزمته وتنتهى القصة . ردت :سيتنازعوا حين تتنازعن يا أمانى فليس بالزواج ينصلح حال السياسة .

كانت تحتاج فعلاً إلى تلك الزيارة ،فقد كانت كما يقولون زاد القلب ،يكفيها بين كل ثلاثمائة طالب تحاضرهم كل عام ثلة كتلك الثلة تستقوى بها وتتفاعل وإياها و تحس أن جهدها معها لا يذهب مع الريح ،فهل من يضمن لها أن تظفر بخمسة منهم فى كل عام ؟

نيفين مسعد أستاذة بكليّة الاقتصاد والعلوم السياسيّة جامعة القاهرة. عضو حاليّ فى المجلس القوميّ لحقوق الإنسان. شغلت سابقاً منصب وكيلة معهد البحوث والدراسات العربيّة ثمّ مديرته. وهي أيضاً عضو سابق فى المجلس القوميّ للمرأة. حائزة على درجتي الماجستير والدكتوراه من كليّة الاقتصاد والعلوم السياسيّة – جامعة القاهرة، ومتخصّصة فى فرع السياسة المقارنة وبشكلٍ أخصّ في النظم السياسيّة العربيّة. عضو اللجنة التنفيذية ومجلس أمناء مركز دراسات الوحدة العربية ببيروت. عضو لجنة الاقتصاد والعلوم السياسية بالمجلس الأعلى للثقافة. عضو الهيئة الاستشارية بمجلات المستقبل العربي والسياسة الدولية والديمقراطية
التعليقات