حكاية كاميرا - نيفين مسعد - بوابة الشروق
الخميس 3 أبريل 2025 4:02 ص القاهرة

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تتوقع نجاح اتفاق الهدنة في غزة؟

حكاية كاميرا

نشر فى : الأربعاء 24 يونيو 2009 - 10:41 م | آخر تحديث : الأربعاء 24 يونيو 2009 - 10:41 م

 لديها كاميرا قديمة اشترتها من إحدى أسواق أبوظبى قبل أكثر من خمسة عشر عاما.

يومها كانت قد فرغت من المهمة التى ذهبت إليها فى عاصمة دولة الإمارات، وكان عليها أن تنتظر حلول موعد إقلاع الطائرة بعد أربع ساعات كاملة، فقررت أن تنزل إلى السوق. لم تشأ الانتظار فى الفندق، فالانتظار فى الفندق ممل ومزعج. هو ممل لأنك لن تبدأ عملا تعرف أنك ربما لا تتمه عندما تحين لحظة ذهابك إلى المطار، وهو مزعج لأنك تضطر للبقاء فى غرفة غير مرتبة فأحد لن يهتم بخدمتك لأنك مغادر.

عندما اتخذت قرار شراء الكاميرا من أبوظبى لم تكن تفكر أنها تحتاج إلى كاميرا، ولا هى مطلقا من هواة الأجهزة الإلكترونية والكهربائية، لكنها انجذبت إلى شكل الكاميرا وكذلك سعرها. ومن تلك اللحظة لم تعد تفارقها قط.

على مدار السنوات الخمس عشرة التى عاشتها فى صحبة الكاميرا، أودعت فى ذاكرتها كل ما كانت تحب أن تسجله من لحظات حلوة، فنحن لا نسجل إلا ما يرضينا. لم تهتم عندما اشترى أولادها كاميرا فيديو أولا كبيرة ثم صغيرة فأصغر، وكانت تسافر معهم هنا وهناك، هم يسجلون رحلات البوسفور والسين والراين تسجيلا حيا بالفيديو وهى تلتقط الصورة تلو الأخرى ثم تسرع فور عودتها إلى مصر لتحمضها لدى محل التصوير فى أول شارعها. يتخرج الأولاد فى المدرسة فيعهدون بالتبادل لبعض الأصدقاء بتصويرهم بالفيديو فى حفل البروم وهم ينشدون نشيد الوداع لأيام الشغب والزى الموحد والباص الذى تخلفوا عنه مرارا فعوقبوا ولم يتعظوا، وتتخذ هى مكانها فى زاوية الاحتفال عن يمين أو يسار تغمض عينا وتفتح الأخرى لتضبط الكادر وتصور.

شيئا فشيئا أحست أن هذه الكاميرا هى جزء منها، وربما الأدق أنها هى نفسها أصبحت جزءا من الكاميرا فهى تكبر فى داخلها وأيضا تحتفل وتسافر وتحاضر. فمع أنها لم تكن تفهم لماذا يصور زملاؤها أنفسهم عندما يلقون محاضرة أو يقدمون بحثا أو يشاركون فى نقاش، إلا أنها باتت تفهم لماذا يفعلون عندما ضبطت نفسها أكثر من مرة وهى تدفع بالكاميرا إلى أحد الحضور وتهمس له قائلة: من فضلك صورنى. فهمت أنها تحب أن تخلد الذكرى، وتحتفظ بالوجوه والتفاصيل، ربما تسنح لها الفرصة ذات يوم لتعود إليها. والحق أن الفرصة لم تسنح ومع ذلك فإنها لم تكف قط عن التصوير وجمع الذكريات تارة فى ألبوم وأخرى من دونه.

ومادام كان أولادها يصورون بكاميرا الفيديو وهى بكاميرا فوتوغرافية لم يكن أحد يقارن، فلا وجه أصلا للمقارنة، فالفيلم غير الصور، ولكل مجاله والاحتياج لكل منهما يختلف من شخص لآخر. بل إن الحاجة للصور أكبر فمن أين يأتى أحدنا بالوقت ليضع الـDVD فى الكمبيوتر أو الشريط فى الفيديو ويتابعه لمدة ساعة أو أقل قليلا؟ ثم إن الصور تصاحبنا حيثما ذهبنا وهذا غير متاح فى الكمبيوتر أو جهاز الفيديو، فالتصوير الفوتوغرافى إذن عملى أكثر.

لكن عندما بدأ الجيل الجديد من الكاميرات الفوتوغرافية المعروف باسم الكاميرات الديجيتال يغزو الأسواق وينتشر بين أيدى الشبان، بدأت المقارنة. واعتادت هى فى كل مكان تذهب إليه مسلحة بصديقتها القديمة تسمع من هذا الشاب أو ذاك مقارنة بين الكاميرا الديجيتال التى تمكن صاحبها من استرجاع الصور التى تم التقاطها، وتعديلها أو حذفها، وتبادلها بالبلو توث، ونسخها على الـ CD.s، وعرضها أولا بأول على صفحات الفيس بوك، وبين الكاميرا التقليدية التى لا يستطيع أحد أن يغير شيئا فى صورها إلا إن أراد صاحب استديو التصوير أن يضيف رتوشا إليها فيغير لون العينين من الأسود إلى الأزرق أو يبالغ فى حمرة الوجنات والشفاه كما كان يفعل مصورو الستينيات.

باتوا يسخرون من الكاميرا التى تحملها، وكان هذا يضايقها بشدة. هى تفحمهم أحيانا عندما تقارن بين زهوة الصور التى تلتقطها هذه الكاميرا القديمة وألوان الصور الباهتة التى تلتقطها كاميراتهم الديجيتال، والحق أن صورهم لم تكن باهتة لكن كانت هى التى تراها كذلك. وهى تلفت نظرهم إلى المواقف المحرجة التى تضعهم فيها كاميراتهم المتطورة عندما يفرغ شحنها ولا يكون الحدث الذى تصوره قد انتهى، أما هذه الكاميرا فإنها لا تتوقف إلا عند انتهاء الفيلم، وهى دائما ما تحتفظ فى حقيبتها بفيلم جديد حتى تضمن تسجيل الحدث كاملا.

كعادتها التى لا تتغير كانت الكاميرا العزيزة تلازمها يوم عُرس ابنها تصوره شابا كما صورته صبيا، كانت عشرات الفلاشات تضىء من حوله تنبعث من كاميرات فوتوغرافية حديثة، وكان الضوء المبهر مسلطا على وجه ابنها من كاميرات الفيديو المأجورة والخاصة، وهى بينهم تصور بقلبها. انتبهت فجأة على سقوط الكاميرا أرضا وتبعثرت أجزاؤها فأحست بانقباض وتطيرت من الفأل وقالت أعوذ بالله. لملمت أجزاء الكاميرا كأنما تلملم بعض أشلائها وأعادت تركيبها فى ارتباك ثم ضغطت عليها فلم تصور، وأعادت الكرة وتكرر الفشل. كان الحادث الصغير كفيلا بأن يقلب مزاجها من حال إلى حال لولا أنه كان يوم فرح، ناكفها بعض الشبان الأشقياء عندما تنفسوا فى ارتياح لانكسار الكاميرا وبالغوا حتى وضعوا الدموع على حافة مآقيها.

لم تصدق أن تتزامن حياة ابنها الجديدة مع نهاية علاقتها بالكاميرا، رفضت هذا المعنى وتحايلت عليه. فتشت عمن تأتمنه على كاميرا قديمة لكن عزيزة ليصلحها، وعندما وجدته وعادت تضغط على الكاميرا فتصور أحست أن قطعة من نفسها قد ردت إليها، ربتت على الكاميرا كأنما تعتذر لها فقد كان عليها أن تنتبه أكثر وتحرص أكثر وتحفظها أكثر فأكثر. دستها فى حقيبتها بحب، وما عادت تأبه لسخرية من أحد.

نيفين مسعد أستاذة بكليّة الاقتصاد والعلوم السياسيّة جامعة القاهرة. عضو حاليّ فى المجلس القوميّ لحقوق الإنسان. شغلت سابقاً منصب وكيلة معهد البحوث والدراسات العربيّة ثمّ مديرته. وهي أيضاً عضو سابق فى المجلس القوميّ للمرأة. حائزة على درجتي الماجستير والدكتوراه من كليّة الاقتصاد والعلوم السياسيّة – جامعة القاهرة، ومتخصّصة فى فرع السياسة المقارنة وبشكلٍ أخصّ في النظم السياسيّة العربيّة. عضو اللجنة التنفيذية ومجلس أمناء مركز دراسات الوحدة العربية ببيروت. عضو لجنة الاقتصاد والعلوم السياسية بالمجلس الأعلى للثقافة. عضو الهيئة الاستشارية بمجلات المستقبل العربي والسياسة الدولية والديمقراطية
التعليقات