إن مسودة الدستور التى يفترض أن يصادق عليها المجلس الوطنى التأسيسى التونسى فى غضون شهر من بدء انطلاق فعاليات الحوار الوطنى، هذه المسودة صدرت فى 1 يونيو الماضى وسبقها إصدار ثلاث مسودات أخرى فى أغسطس 2012 ويناير وأبريل 2013. وتقتضى المصادقة المطلوبة موافقة ثلثى أعضاء المجلس بواقع 144 من إجمالى 217 عضوا، علما بأن حزب حركة النهضة ممثل بـ89 عضوا. وفى حال عدم تحقق هذه النسبة تٌعرض المسودة على الاستفتاء الشعبى فلا تقر إلا بأغلبية مطلقة أى بنسبة 50%+1، وهذا خيار يرى البعض أن النهضة تدفع فى اتجاهه على ضوء احتدام التجاذبات السياسية بين الأحزاب والقوى الداخلة فى تشكيل المجلس.
وعلى مدار ثلاثة عشر شهرا هى الفاصلة بين المسودتين الأولى والرابعة شهد ما يسميه التوانسة عملية الدسترة تنقيحات مستمرة ضيقت من فجوة الخلاف بين الأطراف المختلفة، لكنها لم تنهها. ولما كانت لجنة الخمسين تعكف حاليا على وضع مسودة الدستور المصرى الجديد، فإن من المهم الاطلاع على بعض ملامح التجربة الدستورية التونسية.
●●●
بخلاف التوطئة، تقع المسودة الرابعة فى عشرة أبواب تتناول على التوالى : المبادئ العامة، والحقوق والحريات، والسلطة التشريعية فالتنفيذية فالقضائية، فالهيئات الدستورية المستقلة، ثم السلطة المحلية، وتعديل الدستور، والأحكام الختامية، والأحكام الانتقالية. وبالمقارنة مع المسودة الأولى يلاحظ أنه تم إفراد باب خاص لكل من المبادئ العامة والحقوق والحريات بعد أن كانا مدمجين، وهذا فصل منطقى. كما أنه جرت المحافظة على الباب المسمى بالأحكام الختامية وهو مسمى قلق اختلط بتنظيم المرحلة الانتقالية فى المسودة الأولى، فيما خصص حصرا فى المسودة الرابعة لبيان التكامل بين مكونات الدستور، وهذا فى الواقع ليس من قبيل الأحكام الختامية.
بداية بالتوطئة، كان الإنجاز الأهم هو الاستجابة لمطلب القوى السياسية بالنص على كونية حقوق الإنسان أى عالميتها بالتوازى مع النص على «تعاليم الإسلام ومقاصده المتسمة بالتفتح والاعتدال» لكن ظل الانتقاد يوجه إلى عدم الإشارة لتكامل كافة حقوق الإنسان وترابطها على نحو يمنع نظام الحكم الجديد من التعامل معها بانتقائية. وفى هذا السياق دعا البعض إلى إضافة فصل (أى مادة) يشبه الفصل الخامس فى دستور 1959 وتعديله عام 2002، إذ لا يقبل أن ما ينص عليه فى مطلع الاستقلال ويثبت ولو نظريا فى عهد زين العابدين يقع التراجع عنه بعد الثورة.
●●●
وعندما ندخل إلى المبادئ العامة ستطل علينا معضلة العلاقة بين الدين والدولة، والمحاولة التلفيقية للجمع بين الشئ ونقيضه. ففى الفصل الثانى جرى النص على مدنية الدولة وقيامها على أساس المواطنة وإرادة الشعب وعلوية القانون، وهذا نص مضاف لا وجود له فى المسودة الأولى. لكن مقابل ذلك احتفظت المسودة الرابعة بالنص الخلافى الذى يقول إن «الدولة راعية الدين، كافلة لحرية المعتقد والضمير وممارسة الشعائر الدينية، حامية للمقدسات، ضامنة لحياد المساجد ودور العبادة عن التوظيف الحزبى«، ووجه الخلاف الذى عبرت عنه عدة قوى سياسية هو أن هذا النص أولا يكفل للدولة رعاية الدين وهذا يتناقض مع النص على مدنيتها. كما أنه يجعلها حامية للمقدسات وهو مصطلح فضفاض نظرا لصعوبة بل استحالة تعريف ما هو مقدس وما هو غير مقدس. ثم أن هذا النص يقصر إبعاد السياسة عن المساجد على العمل الحزبى بينما يمكن أن يتخطى التوظيف السياسى للدين الانتماءات الحزبية التنظيمية. هذا إلى جمع النص بين حرية المعتقد وحرية ممارسة الشعائر الدينية، وهما حقان مرتبطان لكن غير مترادفين مما يوجب فصلهما. جدير بالذكر أن بين القوى السياسية من يتحفظ على النص فى الفصل الأول من هذا الباب على دين الدولة ويقترح النص على أن الإسلام هو دين الأغلبية على أساس أن الدول لا دين لها، هذا علما بأن النص المذكور ورد فى الفصل الأول من دستور بورقيبة عام1959، لكن إثارة هذه النقطة تعكس الشك بين الأطراف المختلفة بحكم تغير السياق.
أما فيما يخص وضع الجيش فلقد أضاف الفصل السابع عشر فقرة تؤكد على التزامه بالحياد، وكرر النص على التزام الجيش بدعم السلطات المدنية وفق ما يضبطه القانون، وليس وفق ما يضبطه قانون الطوارئ كما فى المسودة الأولى، أى أنه أخضع العلاقات المدنية ــ العسكرية للقانون العادى لا الاستثنائى.
●●●
ولم يستطع الباب الثانى المخصص للحقوق والحريات التخلص بدوره من طابع التناقض المتولد عن الرغبة فى التوفيق (أو التلفيق) بين الاتجاهات المختلفة. وبالتالى سنجد إضافات مهمة لبعض الحقوق والحريات التى لم تتضمنها المسودة الأولى كالحق فى الحياة، وفى حرمة الجسد، ومنع التعذيب المعنوى، بل والحق فى الماء (وليس الماء النظيف)، ونجد تحريرا لبعض الحقوق من قيود سابقة كتحرير الحق النقابى بما فى ذلك حق الإضراب من تعريض حياة الناس وصحتهم وأمنهم للخطر كما فى المسودة الأولى، وسنجد عدولا عن لفظ التكافل والشراكة فى الفصل الخامس والأربعين الخاص بالمرأة بما يفيد المساواة الكاملة بينها وبين الرجل. لكن فى الوقت نفسه سنجد استحداثا لضوابط تقيد بعض الحقوق والحريات على خلاف المسودة الأولى، كما فى وقف ممارسة حق الاجتماع والتظاهر السلمى على ضوابط القانون، وبالمثل أيضا فيما يخص تشكيل الأحزاب والنقابات. بل يأتى الفصل الثامن والأربعون خصيصا ليبين الضوابط المتعلقة بممارسة الحقوق والحريات، ويحددها بحقوق الغير والصحة العامة والأمن العام والدفاع الوطنى، وبعض تلك الضوابط يصعب تحديده. جدير بالذكر أن كثرة الإحالة للقانون كانت موضع نقد من الرئيس التونسى نفسه باعتباره رجل حقوقى بالأساس إلى حد تصريحه بأنه ما لم يتغير هذا الوضع فلن يوقع على مسودة الدستور.
أستاذة العلوم السياسية بجامعة القاهرة